أرشيف الأوسمة: هيثم سمير

السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني

هيثم سمير ([1])

إسحاق نيوتن (25 ديسمبر 1642 – 20 مارس 1727)، عالم الرياضيات والفيزياء الغني عن التعريف، فهو أحد أهم العلماء على مر التاريخ. ولد في مقاطعة لينكونشير في إنجلترا. التحق بالمدرسة الملكية ودرس فيها الرياضيات والكلاسيكيات والكتاب المقدس. وبالرغم من أنه كان الأول بين أقرانه من الطلاب، إلا أن مدرسه كان يعتقد إنه مصاب بنوع من التوحد. التحق بعد ذلك بكلية الثالوث بجامعة كامبريدج عام 1661. درس فيها أفلاطون وأرسطو، والعلوم الكلاسيكية مثل المنطق والأدب والتاريخ. لكنه أبدى اهتماما كبيرا بعلوم الميكانيكا الحديثة، فاهتم بدراسة كوبرنيكوس، جاليليو، ديكارت وروبرت بويل. أكمل دراساته العليا في كامبريدج، وأثناء دراساته، اخترع حساب التفاضل والتكامل (Calculus)، اكتشف الطبيعة غير المتجانسة للضوء (the heterogeneous nature of light) والميكانيكا السماوية. نشر نتائج أبحاثه في كتابه الشهير المبادئ (Principia) عام 1687م، وكتاب البصريات (Opticks) عام 1704م.

بعد هذه المقدمة التعريفية الصغيرة، ننتقل إلى الجانب المجهول عند الغالبية العظمى، من حياة نيوتن.

يقول دافيد بروستر: «إذا لم يشتهر السير إسحق نيوتن كعالم رياضيات وفيلسوف طبيعي، كان سوف يشتهر كلاهوتي مرموق»([2]).

لعلك تتعجب من ذلك الجزم الغريب باعتبار نيوتن لاهوتي، بل لاهوتي مرموق أيضا، فمن أين أتى بروستر بهذا الرأي؟

في 22 فبراير 2003 نشرت جريدة التليجراف اليومية (Daily Telegraph) الشهيرة، في صفحتها الأولى، نبوءة لإسحاق نيوتن، يتوقع فيها نهاية العالم بحلول عام 2060 أو بالأحرى نهاية مرحلة من الحياة على الأرض وبداية مرحلة الحكم الألفي (العيش في سلام ونعيم على الأرض تحت حكم السيد المسيح). وكما يقول الدكتور (Stephen D. Snobelen) – المتخصص في تراث نيوتن – كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف قطاع واسع من الجماهير على آراء نيوتن التنبؤية، فآراء نيوتن الدينية ظلت طوال الفترة السابقة لهذا الخبر مقصورة على بعض النخبة من المؤرخين والعلماء المهتمين بنيوتن. لكن منذ ذلك الحين تسارعت وكالات الأنباء في نقل هذا الخبر فترجم في جميع أنحاء العالم، وحينها فقط بدأ قطاع أوسع من العامة التعرف على نيوتن بشكل جديد، وتكوين صورة مركبة وأكثر تعقيدا عن شخصيته، فبالإضافة إلى التصور السابق عنه كعالم طبيعي، أصبح ينظر إليه كمفسر للكتاب المقدس، وكلاهوتي. مثلَّ هذا الخبر صدمة للعامة، فوسائل الإعلام التي لعبت دائما دورا في تشكيل لا وعي عند الجماهير، يؤكد على تعارض العلم مع الدين، يأتي الآن ليخبرها بأن نيوتن ذلك العالم الفذ أحد أعظم علماء التاريخ، كان مؤمنا بالله، بل ومؤمن بالكتاب المقدس وأنه كلام الله الموحى به إلى أنبيائه.

كان نيوتن مؤمنا بالله إيمانا راسخا وبالكتاب المقدس والمسيحية، إلا أنه كان رافضا للكنيسة وللالتحاق بها، حتى أنه ترك زمالة كلية الثالوث بكامبريدج، لأن القانون وقتها كان يجبره على الخدمة الكنسية وتقلد منصبا فيها، حتى توسط له أحد الدكاترة ليستثنيه من ذلك الشرط الذي ألغي فيما بعد.

يرى دافيد بروستر، أن رفض نيوتن للالتحاق بالكنيسة، بالرغم من إلحاح الكثير من كبار رجالاتها عليه، كان سببا في أن يحصل على علوم الكتاب المقدس، وكلام الرسل والأنبياء والتعرف على حقيقتهم المجردة، بدون تأثير أو تضليل من أحد، وأن يُكوّن بما حصَّل من العلوم النقية، عقيدته الأوسع والأكثر تسامحا([3]).

من الشائع في الثقافة العامة، أن فيزياء نيوتن تجعل الإله لا داعٍ له، بمعنى أنه لا داعٍ لتدخله في الكون بعد الخلق، حيث يُعتقد أن كتاب المبادئ (Principia)، الذي وضع قوانين الحركة الثلاثة، جعل الإله كصانع الساعة، الذي صنعها ونظم الحركة بين تروسها وعقاربها، ثم تركها بعد ذلك لتعمل وحدها وفق ذلك النظام. تلك النظرة لفكر نيوتن مجحفة ومختزلة، فالآن أصبحنا نعرف أن نيوتن ألّف العشرات من الكتابات الدينية واللاهوتية، نعرف من خلالها كما يقول سنوبيلين([4])، أن الكون عند نيوتن ليس فقط، أنه لم يكن كونا ميكانيكيا، بل كان أيضا ضد هذه الفكرة ويرفضها تماما. بل الأكثر من ذلك فإن نيوتن سعى من خلال كتاب المبادئ أن يخدم اللاهوت الطبيعي، فنجد أن ريتشارد بينتلي (Richard Bentley) أثناء مراجعة بعض أبحاث بويل، من أجل نشر كتابه اللاهوتي الطبيعي الدفاعي([5])، أراد الاستعانة بكتاب المبادئ، فأرسل إلى نيوتن ليأخذ برأيه ويطلب مساعدته، فكان رد نيوتن عليه كالآتي:

«حين كتبت مقالتي عن نظامنا، كان من ضمن أهدافي أن تكون تلك المبادئ مفيدة لأولئك الذين يؤمنون بالله، ولا يوجد شيء يسعدني أكثر من أن أجد نفعها في ذلك الغرض»([6]). وكان يرى أن الإله هو تفسير سببي لعظمة الكون ودقة نظامه الذين، لا يوجد لهم، في رأيه، تفسيرا طبيعيا، فيقول:

«إذا فإن صنع النظام بكل حركته، يتطلب سببا أدرك وقارن بين الكميات المختلفة للمادة في الشمس والكواكب وقوة الجاذبية المترتبة على ذلك […] وإن مقارنة وضبط كل تلك الأجسام المختلفة، يدعو للقول بأن هذا السبب ليس أعمى وليس تصادفيا، لكنه متمكن بشدة من الهندسة والميكانيكا»([7]).

كانت تلك لمحة عن إيمانه بوجود إله خالق مدبر وضابط لنظام هذا الكون ويتدخل بعنايته وعمله في حركته. أما عن ديانته، فكما ذكرنا أنه كان مسيحيا مؤمنا بالكتاب المقدس، نشأ في أسرة بروتستانتية ودرس الكتاب المقدس بالمدرسة الملكية، في مرحلة مبكرة من حياته ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيه، فاستمر شغفه بالدين وإيمانه بالكتاب المقدس، لكن كما كان صاحب رؤية خاصة للكون وللإله فكانت له رؤيته الخاصة في الدين.

 كما يقول بروستر، فإن عقلية فيلسوف مثل نيوتن ترك أثرا في مختلف المجالات، بل فتح بابا جديدا لرؤية حقيقة هذا الكون، تكون لها من الأهمية والخصوصية مكان([8]).

يعتقد البعض أن نيوتن طور عقيدته بنفسه بتأمله الشخصي في الكتاب المقدس، لكن هناك بعض الأدلة تشير إلى أنه بجانب دراسته الذاتية للكتاب ولتاريخ الكنيسة وأقوال الآباء، تأثر أو على الأقل درس بعض الكتابات السوسينيانية وأيضا الآريوسية، أو بشكل أعم الكتابات المضادة للثالوث التي كانت منتشرة في القرن السابع عشر، فيذكر أنه كان يملك ثمانية كتب سوسينيانية منها كتاب “عقيدة الله الواحد” (The Faith of the One God)، وأن صديقه جون لوك، الذي كان يتناقش معه دائما في اللاهوت، كان يملك واحدة من أكبر المكتبات السوسيانية في انجلترا. ولذا، فالبرغم من كونه ليس سوسينيانياً، فقد كان يشاركهم العديد من المعتقدات التي تعتبر هرطوقية في نظر الكنيسة الانجليزية، فمن ضمن العقائد الهرطوقية المشتركة بينه وبين السوسينيانيين، أنهم كانوا يعتقدون أن المسيحية الأولى كانت بسيطة وكانت مستمدة من القراءة الصحيحة للكتاب المقدس، وأن العقيدة الصحيحة تم تحريفها بإقحام الفلسفة اليونانية والميتافيزيقا والتقليد. وبالتالي كانوا ينظرون بعين الريبة إلى كل العقائد غير الكتابية خاصة الفلسفية منها. كل من نيوتن والسوسيانيين كانوا يسعون إلى إيجاد المسيحية المجردة، وكانا يعتبران أن التحريفات اللغوية والمصطلحات المبتدعة هي سبب انقسامات الكنيسة. من ضمن المعتقدات المشتركة أيضا، أن مصطلح الهوموؤسيوس([9]هو آفة شريرة أصابت المسيحية. بالرغم من ذلك فكانوا يعتقدون أن المسيحية الحقة حُفظت فيما بقي خاليا من التحريف لكن لا يمكن أن يصل إليها، فقط إلا نخبة من الباحثين.

في إطار سعيه للوصول إلى المسيحية المجردة، اهتم نيوتن أيضا بالنقد النصي، لنصوص الثالوث، وهو ما ظهر في رسالته (تحريفان مهمان) وهو أيضا اهتمام مشترك بينه وبين السوسينيانيين، حيث أنهم كانوا يريدون محو التحريفات التثليثية المزعومة. كان يؤمن أيضا مثلهم بفناء الروح. كل هذه الاتفاقات العقدية وغيرها لا تعني أن نيوتن كان سوسينيانياً، فعلى خلاف السوسيانيين كان يعتقد بوجود المسيح سابقا للخلق أو (أول المخلوقات)، وهو اعتقاد آريوسي([10]) وليس سوسينياني. وبالتالي يمكن استخلاص أن عقيدة نيوتن كانت مزيج بين السوسيانية والآريوسية، وأنها بشكل عام كانت رافضة للثالوث. وكان ينكر التجسد حيث قال، كما نقل عنه صديقه هوبتن هاينز (Hopton Haynes): »سوف يأتي يوم تصبح فيه عقيدة التجسد ضربا من السخف مثلها مثل عقيدة الحلول.«

من ضمن آرائه الدينية المهمة أيضا كانت نظرته لنبوءات الكتاب المقدس، فكان يقرأ التاريخ جنبا إلى جنب مع نبوءات دانيال وسفر الرؤية، وكان يعتقد “أن الله ليس مقيدا بحدود الزمن، مثل البشر، وهو ما يسمح له برؤية النهاية منذ البدء. ولذا فكان يعتقد أن النبوات المقدسة ليست إلا تاريخ الأحداث القادمة.” ولذلك قام بوضع قواعد تفسير النبوات المقدسة في كتاب لم ينشره عنوانه “Rules for interpreting the words & language in Scripture”

كان هذا بعضٌ يسير من آراء وكتابات نيوتن الدينية، وجدير بالذكر أن مجموع ما كتب في اللاهوت والدين يقارب المليون ونصف كلمة، وهو ما يتخطى كتاباته العلمية. ربما يثير ذلك التساؤل، لماذا لا يعرف أحد هذه الكتابات أو لماذا لم تنتشر أفكار نيوتن الدينية، برغم غزارتها وجدليتها الشديدة، مثلما انتشرت أفكاره وآراؤه العلمية.

يرجع الباحثين السبب في عدم المعرفة تلك إلى أسباب مختلفة منها رغبة نيوتن نفسه، في إبقاء عقيدته سرية حتى وصف بالنيقوديموسي([11]). فكان نيوتن في عصر تجرم فيه الهرطقة وتفقد صاحبها المكانة الاجتماعية، فكان الهراطقة في عين المجتمع وضعاء فاسدون أخلاقيا ومعنويا، وكان إعلان نيوتن لمعتقداته سوف يضعه في حرب وربما كان سيجرده من كل الامتيازات التي كان يتمتع بها: من عمله بالجامعة، ومن لقبه الاجتماعي، ومن مكانته. لذلك، فضل نيوتن كإنسان، طبيعي يبحث عن الاستقرار والابتعاد عن المشاكل أن يبقى على هذه المعتقدات في دائرة صغيرة من أصدقائه.

أحد الأسباب الأخرى الهامة، لعدم انتشار أفكار نيوتن الدينية، أن عائلة بورتسموث (Portsmouth)، أبقت هذه المخطوطات بعيدا عن متناول العامة حتى عام 1936، حين اشتراها أبراهام شالوم حزقيال يهودا (Abraham Shalom Ezekiel Yahuda) في لندن، وحين مات عام 1951، ترك تلك المخطوطات كهدية للدولة الوليدة حين ذاك: إسرائيل، لكن لأسباب ما تأخر وصول تلك المخطوطات إلى إسرائيل، حتى وصلت إلى مكتبتها الوطنية عام 1969.([12]) بقت المخطوطات في المكتبة ولم تنتشر خارج حدودها حتى نسخت على ميكروفيلم عام 1991، ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء حول العالم في دراسة كتابات نيوتن وفي إعادة قراءة أفكاره وتاريخه، وفي عام 1998 ظهر للنور مشروع نيوتن (Newton Project)([13]) وهو مشروع معني بتفريغ ونشر كل مخطوطات نيوتن ونشرها مجانا للعامة وللباحثين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) أصل هذا المقال مقدمة كتبتها للتعريف بفكر نيوتن الديني ضمن الترجمة العربية لكتابه “وصف تاريخي لتحريف نصين مهمين من الكتاب المقدس: التثليث والتجسد” التي صدرت قبل أيام قليلة عن مركز نماء للبحوث والدراسات (الطبعة الأولى: ديسمبر 2015).

([2]) David Brewster، هو صاحب كتاب: مذكرات، كتابات واكتشافات السير إسحق نيوتن (Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton) وهو المرجع القياسي لتراث نيوتن بحسب الموسوعة البريطانية.

([3]) Brewster, David, Sir. (1885). Memoirs of the life, writings, and discoveries of Sir Isaac Newton: Edinburgh, T. Constable and Co, P. 315

([4]) Snobelen, Stephen D. (2010). The theology of Isaac Newton’s principia mathematica: A preliminary survey. Neue Zeitschrift für Systematische Theologie Und Religionsphilosophie, 52(4), pp.377-378

([5]) Bentley, Richard. (1692). A confutation of atheism from the origin and frame of the world. Part I : a sermon preached at St. Mary-le-Bow, October the 3d, 1692 : being the sixth of the lecture founded by the Honourable Robert Boyle.

([6]) Newton, Isaac, Sir. (10 December 1692). Original letter from Isaac Newton to Richard Bentley.

([7]) ibid.,

([8]) ibid., p. 514

([9]) وعبارة “هوموأوسيون  تو باترى” (اليونانية) الموجودة فى قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى ترجمتها الدقيقة هى: “له نفس ذات جوهر الآب” (بيشوي).

([10])  بيشوي، المجامع المسكونة.

([11]) نيقوديموس هو أحد اليهود الفريسيين المذكورين في انجيل يوحنا [3: 1 -21؛ 7: 45 -51؛ 19: 39 -42]، وكان تلميذاً سريا للمسيح، ولهذا أصبح من يخفي عقيدته الحقيقية ويظهر عقيدة أخرى، نيقوديموسياً.

([12]) رابط لمخطوطات نيوتن بالمكتبة الوطنية الإسرائيلية: http://web.nli.org.il/sites/nli/english/collections/humanities/pages/newton.aspx

([13])رابط لموقع مشروع نيوتن: http://www.newtonproject.sussex.ac.uk/prism.php?id=1

الإعلانات

ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي)

هيثم سمير

مقدمة

دراسات الآبائيات هي حقل معرفي يعني بدراسة المسيحية عن طريق آباء الكنيسة، وتسمى بالباترولوجي تعريباً لكلمة Patrology المشتقة من (Pater) في اللاتينية وتعني (أب)، يسعى الدارسون من خلال دراسة نصوص أولئك الآباء إلى تتبع تاريخ المسيحية من حيث النشأة والتطور، وتاريخ العقيدة واللاهوت المسيحيين منذ الكنيسة الأولى مروراً بالعصور الوسطى إلى الحديثة، في مختلف المناطق الجغرافية مثل منطقة الشام وسوريا، وفي مصر القبطية، وفي شمال أفريقيا وفي أوروبا الشرقية والغربية، وأيضاً في آسيا. وتسهم أيضاً دراسة الآباء في دراسة الكتاب المقدس من حيث النص – فاقتباسات الآباء الأوائل من الكتاب المقدس والعهد الجديد خاصة، تعد من أهم مصادر النقد النصي – ومن حيث التفسير وأيضاً في دراسة قانون العهد الجديد. كما تسهم دراسات آباء الكنيسة أيضاً في مجالات معرفية أخرى خارج المسيحية، كتاريخ الفكر بشكل عام وفي دراسة تاريخ العصور القديمة والوسطى وفي دراسة الفلسفة خاصة، أغسطينوس وتوما الأكويني، وفي دراسة عصور النهضة وفي العلوم السياسة نظراً للصراع في العصور الوسطى بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة. ربما تساهم أيضاً نصوص الآباء في الدراسات اللغوية حيث توفر مادة مكتوبة كبيرة ومتنوعة بلغات شرقية وأوروبية عدة مثل القبطية والسيريانية والجورجية واللاتينية واليونانية.

نصوص الآباء في لغاتها الأصلية:

تعد أهم مجموعات نصوص الآباء في لغاتها الأصلية هي مجموعة Acta Sanctorum في 68 مجلداً، يُرتَب فيها القديسون المسيحيون حسب يوم الاحتفال بكل منهم، نُشر أول مجلداتها عام 1943م وآخر مجلد عام 1794م.

أما المجموعة الثانية، وهي تعد أكمل المجموعات بالرغم من احتوائها على كثير من الأخطاء المطبعية، هي مجموعة Patrologiae cursus completes أو (الأعمال الكاملة للآباء)، أشرف عليها جاك بول ماين Jacques-Paul Migne، واستغرق تجميعها 14 عاماً منذ 1841م وحتى 1855م.

تنقسم المجموعة إلى قسمين، الأول: Patrolrogia Latina وبها كتابات الآباء اللاتينية، وتتكون من 221 مجلداً، ويرمز إليها اختصاراً بــــ (PL). والقسم الثاني يحتوي على مجموعة كتابات الآباء اليونانية، ويتكون من 159 جزءاً، ويرمز إليه اختصاراً بــــ (PG).

هناك أيضاً مجموعة مهمة وهي Patrologia Orientalis وتحتوي على عدد كبير من كتابات الآباء الشرقيين بلغات عدة، مثل العربية، السيريانية، السلافية، الجورجية، الأرمينية، والقبطية. حررها ريني جرافان René Graffin وفرنسوا نو François Nau، وخرجت في 49 مجلداً في الفترة بين 1904م و1984م.

أهم الترجمات الإنجليزية لنصوص الآباء:

تعتبر أهم مجموعة لنصوص الآباء باللغة الإنجليزية هي مجموعة: A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church (مكتبة مختارة من كتابات آباء مجمع نيقية وما بعده)، وقد حررتها دار نشر T&T Clarck وأوكلت الإشراف على السلسلة الأولى منها إلى فيليب شاف Philip Schaff، والسلسلة الثانية إلى هنري ويس Henry Wace، كل سلسلة مكونة من 14 مجلداً، نشر أول مجلداتها عام 1886م وآخرها عام 1900م.

ومعها مجموعة آباء ما قبل نيقية، وقد صدرت أولاً باسم Ante-Nicene Christian Library (مكتبة الكتابات المسيحية السابقة لمجمع نيقية)، بتحرير ألكساندر روبرتس Alexander Roberts وجيمس دونالدسون James Donaldson، في الفترة ما بين 1867م و1873م، ثم أعاد الأسقف كليفلاند A. Cleveland Coxe نشر نسخة مراجعة منها عام 1885م، باسم The Ante-Nicene Fathers (آباء ما قبل مجمع نيقية).

من مجموعة الترجمات الإنجليزية المهمة الأخرى نجد مجموعة Library of the Fathers (مكتبة الآباء)، نشرها جون هنري باركر John Henry Parker وحررها إدوارد بوزي Edward Bouverie Pusey، وخرجت في 50 مجلداً في الفترة بين 1838م و1881م، لكن البعض عاب عليها الميول الكاثوليكية للترجمة.

من المجموعات الحديثة مجموعة Ancient Christian Writers (كُتَّاب المسيحية الأوائل) في 65 مجلداً لدار Paulist Press، وتنقسم إلى أربع مجموعات: مجموعة ما قبل نيقية، مجموعة عصر مجمع نيقية، مجموعة ما بعد مجمع نيقية، ومجموعة كتابات القديس أغسطينوس.

نصوص الآباء بالترجمات العربية:

تعتبر أشمل وأهم سلسلة للنصوص الآبائية باللغة العربية هي تلك الصادرة عن المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية، التابع لمؤسسة القديس أنطونيوس، نشرت أول أعدادها عام 1961، واستمر المركز في إصدار المزيد من الترجمات لنصوص الآباء حتى اليوم، مصدراً ما مجموعه 191 كتاباً.

هناك أيضاً سلسلة أقدم النصوص المسيحية من منشورات المكتبة البولسية، وخرجت في ستة سلاسل مقسمة تقسيماً موضوعياً: (سلسلة النصوص اللاهوتية: 6 أجزاء، سلسلة النصوص الليتورجية: 7 أجزاء، سلسلة النصوص النسكية: 3 أجزاء، سلسلة النصوص التقيظية: جزء، سلسلة النصوص الدفاعية: جزء، سلسلة نصوص متنوعة: جزء.)

أيضاً سلسلة آباء الكنيسة، وبها أيضاً كتابات عدد من آباء الكنيسة القبطية، ترجمها وأعدها أنطون جورج فهمي، نشر: كنيسة مار مرقس والبابا بطرس، عام 1992، وبها 35 مجلداً.

هناك أيضاً عددا من الترجمات المتفرقة لبعض كتابات الآباء مثل:

الخلاصة اللاهوتية، 5 أجزاء، بولس عواد، المطبعة الأدبية، 1908.
أوريجانوس الرد على كلسس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

تاريخ الكنيسة، يوسابيوس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، مكتبة مارجرجرس سبورتنج، 2014.

مقالات القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

مدينة الله للقديس أغسطينوس، 3 مجلدات، نقله إلى العربية: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، 2006.

في اللاهوت غريغوريوس النزينزي، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

تجسد الكلمة للقديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: ريمون يوسف رزق، المركز الثقافي القبطي الأرثوذوكسي.

الآباء الرسوليون:

نظراً للأهمية الخاصة لآباء الكنيسة أفضل عرض ما يخصهم من نصوص ودراسات بشكل منفصل.

مقدمة

يطلق لقب الآباء الرسوليين على مجموعة من الأشخاص يفترض أنهم كانوا على معرفة ما بالرسل لكن لم يكونوا منهم. أصل هذا المصطلح كان ’آباء العصر الرسولي‘، أطلقه للمرة الأولى المؤرخ الفرنسي كوتلييه J. B. Cotelier على أعمال خمسة من الآباء عام 1672. احتوى كتابه على أعمال كل من برناباس، إكليمنضس الروماني، هرماس، إغناطيوس وبوليكاربوس.  أصدر وليام ويك William Wake عام 1693 ترجمة إنجليزية للعديد من الوثائق تحت عنوان: “الرسائل الأصلية للآباء الرسوليين. The Genuine Epistles of the Apostolical Fathers” ثم جرت العادة فيما بعد على إضافة الرسالة إلى ديوجنيتوس مجهولة الكاتب إلى هذه المجموعة، بقايا كتابات بابياس (كان ذلك بعد عام 1883 حين صدرت أول ترجمة كاملة لها) والديداخي المسماة في المخطوطة تعليم الرب للأمم من خلال الرسل الاثني عشر.

مجموعة كتابات الآباء الرسوليين باللغة اليونانية

صدرت، نسخة يونانية نقدية، من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، أحد أكمل وأهم مكاتب الكلاسيكيات على الإطلاق، وقد صدرت في مجلدين بعنوان The Apostolic Fathers، حررها العالم الكبير كيرسوب ليك Kirsopp Lake، عام 1912/1913م.

هناك نسخة أيضاً للنص اللاتيني مصحوب بترجمة إنجليزية حررها وترجمها مايكل هولمز Michael Holmes، بعنوان The Apostolic Fathers: Greek Texts and English Translations، عام 2007.

وأيضاً هناك نسخة مميزة للعالم لايتفوت J.B. Lightfoot، بعنوان: Apostolic Fathers in Greek and English، وخرجت في مجلدين، يحتويان على النص اليوناني مصحوباً بترجمة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى الإنجليزية

صدر أيضاً من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، نسخة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين، ترجمها وعلق عليها العالم الشهير بارت إيرمان Bart Ehrman، بعنوان The Apostolic Fathers، في مجلدين عامي 2003 و2005، وهي تعتبر أفضل النسخ الإنجليزية لترجمات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى العربية

ترجمت كتابات الآباء الرسوليين ضمن سلسلة، الكتابات المسيحية الأصلية في السنوات المائة الأولى بعد العهد الجديد باللغة اليونانية والعربية، في سلسلة خاصة بعنوان: الآباء الرسوليون من 5 أجزاء، صادرة عن دار النشر الأسقفية، في الفترة بين 2011 و2015، وقد أوردت النص اليوناني الذي حرره مايكل هولمز Michael Holmes والذي ذكرناه مسبقاً، أما الترجمة إلى العربية فاعتمدوا على الترجمة الإنجليزية من الكتاب نفسه.

الدراسات الآبائية (الباترولوجي)

المراجع الإنجليزية:

رغم قدمها (1950م) تعد سلسلة Patrology لأستاذ الآبائيات الأبرز يوهان قواستن Johannes Quasten، التي أصدرها في أربعة مجلدات: (أ. من قانون الإيمان الرسولي حتى إيرينيئوس ب. كتابات ما قبل نيقية التالية لإيرينيئوس ج. من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية د. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اليونانية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية ه. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اللاتينية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية) أهم الدراسات الآبائية فقد دشنت عصراً جديداً لتلك الدراسات ولا يخلو أي عمل لاحق من الاعتماد عليها.

أما العمل القديم أيضاً والذي لا يقل أهمية، وهو مرجع أساسي لكل ما كتب عن الآباء في القرن الماضي هو كتاب Patrology: the lives and works of the fathers of the church (الباترولوجي: حياة وأعمال آباء الكنيسة)، لكل من أوتو وشاهان Otto & Shahan، 1908. وفيه تحليل عميق ومفصل لعدد كبير جداً من الآباء، وجميع ما استخدم من مراجع ومصادر متاحة الآن على الشبكة وهو ما يسهل عمل أي باحث يريد التوسع في دراسة أي أب من المذكورين في هذا المجلد القيم.

من ضمن المراجع الشاملة والمهمة أيضاً كتيب الباترولوجي A Hand book of Patrology لـــــ Tixeront، 1923.

من الكتابات الحديثة هناك الدراسة المميزة التي نشرتها دار نشر جامعة كامبريدج، لكل من فرانسيس يونج، لويس أيريس وأندرو لوث، بعنوان: The Cambridge History of Early Christian Literature، عام 2004. وبها دراسات للآباء مصحوبة بشرح للسياقات التاريخية والثقافية لكل منهم.

وأيضاً المقدمة الشاملة The Fathers of the Church: A Comprehensive Introduction، لــــ  Hubertus Drobnerترجمها للإنجليزية Siegfried Schatzmann، وقد وسعها وحدث ببليوغرافياتها كل من William Harmless, SJ, & Hubertus Drobner ، وصدرت عام 2007. وتجد فيها مقدمة لكل أب مع ببليوغرافيا مكثفة.

الدراسات الآبائية العربية
تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، 2008

مقدمة مختصرة لعلم الباترولوجي مع عرض وجيز جداً لعدد وافر من الآباء يعبر فيه الكاتب بشكل واضح عن أرثوذوكسيته في نظرته للآباء.
عادل فرج عبد المسيح، موسوعة آباء الكنيسة، 3 أجزاء، دار الثقافة

وهي دراسة أشمل وأوسع مدعمة بصور وخرائط وجداول وخالية من الدوغمائية في التعرض للآباء وبالتالي هي أفضل بكثير من مقدمة تادرس يعقوب ملطي.
أسد رستم، آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 1990

من أفضل ما كتب بالعربية. دراسة شاملة لعدد كبير من الآباء بمنهجية علمية معهودة عن الدكتور أسد رستم، ومزودة بعدد ضخم من المراجع الأجنبية المفيدة بلا شك لأي باحث يريد التوسع في دراساته.
أحد رهبان دير أنبا مقاريوس، دراسات في آباء الكنيسة، دار مجلة مرقص، 1999

دراسة مختصرة لعدد من آباء الكنيسة وبينهم عدد من آباء الكنيسة القبطية
حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، 3 مجلدات

من أهم ما كتب بالعربية في دراسات الفكر المسيحي، فهي دراسة ماتعة للفكر المسيحي يناقش فيها مواضيع وجوانب متعددة من الفكر المسيحي والفكر الآبائي.
كيرلس سليم بسطرس (مطران)، حنا الفاخوري (أب)، جوزيف العبسي البولسي (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 2001

دراسة قيمة واسعة تقدم دراسة لكل أب من آباء الكنيسة مع مختارات من كتاباته ومعتمدة على عدد كبير من المراجع الأجبنية.
د. نصحي عبد الشهيد (باترولوجيا Patrologia)، مدخل إلى علم الآباء، مؤسسة القديس أنطونيوس، 2000.

تحتوي على مقدمة لعلم الآباء، وسرد لأهم الكتابات الآبائية وأهم الترجمات الإنجليزية والفرنسية، مع عرض لبعض كتابات الآباء.

الآباء والعهد الجديد

الآباء ونص العهد الجديد

بجانب المخطوطات اليونانية واللاتينية والمخطوطات باللغات الشرقية للعهد الجديد، تعد كتابات الآباء من أهم مصادر دراسة نص العهد الجديد وانتقاله وقانونيته.

أهم الأعمال التي تناولت دراسة علاقة الآباء بنص العهد الجديد هو الكتاب الصادر عن جمعية أوكسفورد للتاريخ اللاهوتي، بعنوان The New Testament in the Apostolic Fathers (الكتاب المقدس عند الآباء الرسوليين)، عام 1905. في ذلك المجلد الذي أعده لجنة من أبرز علماء الدراسات الكتابية، تجد كل فقرة من كتابات الآباء الرسوليين تشير أو يُعتقد أنها تشير إلى أي من نصوص العهد الجديد، مصحوبة بنصها اليوناني، مع تحليل لكل فقرة وعرض لمعرفة كل أب بالعهد الجديد بشكل عام. وتقيم كل إشارة إلى نصوص العهد الجديد برمز (A, B, C,D)، فالرمز A يعني أن الفقرة الآبائية مقتبسة من العهد الجديد بلا أدنى شك؛ بينما D يعني أن النص لا يمكن اعتباره اقتباساً من العهد الجديد لشدة عدم وضوح الصلة بينهم.

بعد مائة عام من إصدار هذا العمل (2005) أصدرت أوكسفورد مجلداً آخر، بعنوان: The reception Of the New Testament in Apostolic Fathers (استقبال العهد الجديد عند آباء الكنيسة)، وشارك فيه عدد كبير من علماء الكتاب المقدس، قدموا دراسات وتحليلات عميقة للعلاقة بين نص العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين، مستفيدين من كل التطورات التي طرأت على علم الدراسات الكتابية في تلك السنوات المائة.

من أهم المواقع الإلكترونية النافعة في معرفة الاقتباسات الآبائية من العهد الجديد:

نجد سلسلة e-catena، التي تحتوي على تجميع لكل الإشارات إلى العهد الجديد في كتابات آباء ما قبل نيقية: http://www.earlychristianwritings.com/e-catena/

أما الموقع الأهم فهو موقع فهرس الكتاب المقدس، أو Biblia Patristica (الكتاب المقدس الآبائي) http://www.biblindex.mom.fr/ ، فيمكن بعد التسجيل في الموقع، اختيار أي نص من الكتاب المقدس، ثم يخرج لك الموقع كل الاقتباسات الآبائية لهذا النص، يمكن تحديد نطاق البحث حسب التاريخ أو اللغة، أو غيره.

الآباء وتفسير العهد الجديد

 من الدراسات المهمة نجد كتيب التفسيرات الآبائية Handbook of Patristic Exegesis، لتشارلز Kannengiesser, Charles، 2004. وفيه إشارة لكل التفسيرات الآبائية للكتاب المقدس.

من أهم مصادر التفاسير الآبائية هي سلسلة Ancient Christian Commentary on Scripture (التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس)، استخدمت التكنولوجيا الحديثة في جمع كل تفاسير الآباء لنصوص الكتاب المقدس، ثم تم تحريرها وجمعها وإضافة المقدمات والحواشي وخرجت في 29 مجلداً.

صدرت نسخة عربية موازية لتلك السلسلة وإن كانت ترجمت مباشرة من اللغات الأصلية وليس من الإنجليزية، أشرف على تحريرها الأب ميشال نجم، منشورات جامعة البلمند، 2004. للجزء الخاص بأناجيل، متى ولوقا ومرقس، وخرجت بعنوان: التفسير المسيحي القديم.

يعتمد أيضاً تفسير العهد القديم من الكتاب المقدس من تفسير وتأملات الآباء الأولين، لتادرس يعقوب ملطي، على عدد كبير من التفسيرات الآبائية وإن كان يضمها داخل التفسير بدون إشارة إلى مواضعها.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة