أرشيف الأوسمة: أيمن تركي

شاهد على التحريف: دياتسرون تاتيان

أيمن تركي

«الدياتسرون يشهد للإنجيل بأوجهه الأربعة باعتباره الإنجيل الواحد»

– عبد المسيح بسيط أبو الخير

أشوري تلميذ الفلسفة البربرية، هكذا وصف نفسه تاتيان في كتابه “مقالة إلى اليونانيين”([1])، وهو المؤلَّف الذي يُظهر فيه تاتيان صفاته بأنه شخص (قوي الإرادة) كما يصفه بذلك العالم ويليام بيترسين([2]). لا يخبرنا التقليد المسيحي الكثير عن حياة تاتيان إلا من بعض الشذرات المذكورة عند آباء الكنيسة الأوائل من باب التحريض ضد فكره الهرطوقي، فقد ولد تاتيان لأبوين وثنيين([3]) وكان كثير الترحال ومطالعة الشعائر الدينية المختلفة([4])، ووفقاً لشهادة ايريناوس فإن تاتيان غادر بلاده إلى روما ليستمع من يوستينوس الشهيد ويتتلمذ على يده([5]) بينما يخبرنا إبيفانيوس بأنه بعد مغادرته روما توجه إلى الشرق حيث بدت تعاليمه تلقى الاهتمام الشديد([6]). وبحسب وصف يوسابيوس القيصري فقد كان تاتيان غزير الكتابة([7]).

هرطقة تاتيان كانت ولا تزال محل مجادلات الكثير من علماء المسيحية بسبب تناقضاتها التاريخية، فوفقاً لشهادة ايريناوس السابق ذكرها فإن تاتيان لم يُظهر أي ميول هرطوقية مخالفة لتعاليم الكنيسة إلا بعد استشهاد يوستينوس([8])، مبيناً أنه، أي تاتيان، نادى بعدم خلاص آدم – عليه السلام – وأن الزواج هو نوع من الفساد والزنى مؤسساً بذلك طائفة تدعى الإنكراتيين (Encratites) تنتمي إلى مجموعة الغنوسيين المسيحيين([9])، بينما يخبرنا جيروم بأنه رفض كذلك اللحم والخمر([10]) وعلى غرار الهرطوقي ماركيون فإنه رفض قانونية بعض رسائل بولس([11])، لكن يوسابيوس لم يقصر فعل تاتيان على الإنكار فقط وإنما نقل مقولة البعض من أنه: «تجاسر على تحليل بعض كلمات للرسول لتحسين أسلوبها»([12])، إلا أنه ومع طبيعة معظم التقاليد المسيحية القديمة فإن هناك على الدوام صورة أخرى قد تبدو مناقضة لتلك الأقوال عن تاتيان([13])، فعلى سبيل المثال ينقل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري كيف أن رودو، وهو أحد تلاميذ تاتيان، كتب دفاعاً ضد هرطقة ماركيون([14])، وبشكل مختلف تماماً فإن يوسابيوس نفسه يخبرنا أن تاتيان هو “أخ” له مؤلفات ضد أعداء الكنيسة: «وهناك كتابات لبعض الإخوة أسبق عهداً من فيكتور، كتبوها دفاعاً عن الحق، وضد الوثنيين، وضد الهرطقات التي كانت في أيامها …»([15]). إضافة إلى ذلك، فإن الأغلبية الآن من علماء المسيحية يرون أن الإشارة التعبيرية بلفظة أشوري كواحد من معلمي إكلمندس السكندري بمقدمة كتابه المُسمى “ستروماتا” هي في الحقيقة تعود إلى تاتيان([16])، وفي الوقت الذي يشير اكليمندس السكندري إلى أن تاتيان رغب في إلغاء شريعة العهد القديم كما لو كانت من إله آخر([17]) فإن ما يظهر من كلام تاتيان نفسه عن أثر كتابات العهد القديم في تحوله إلى المسيحية يناقض هذا القول تماماً حيث يقول في كتابه”مقالة إلى اليونانيين” ما نصه: «وقعت في يدي كتابات قديمة جداً مقارنة بآراء اليونانيين، وإلهية جداً على أن تقارن بضلالهم، وقد قادني عدم تكلف هذه الكتابات، وشخصية كُتابها غير المصطنعة، ومعرفتها المُسبقة بأحداث المُستقبل، ونوعية وصاياها الممتازة، وإعلانها عن أن مقاليد الأمور في الكون تتمركز في يد كائن واحد، إلى أن أؤمن بها»([18]).

الجدير بالذكر أن “مقالة إلى اليونانيين” قد اختلف العلماء كثيراً في تقرير وقت كتابتها ما بين 150 و178م وذلك نظراً لتقليد ايريناوس المذكور سابقاً من أن تاتيان لم يُظهر الميول الهرطوقية إلا بعد استشهاد يوستينوس والذي يقدره العلماء بالفترة ما بين 160 و166م وهذا معناه أن أي إقرار لتأريخ هذا العمل قبل هذا التاريخ يُعتبر طعنة في موثوقية تقليد ايريناوس([19])، خصوصاً وأن العلماء يرون أن آباء الكنيسة اللاحقين عليه قد اعتمدوا بشكل أساسي في رؤيتهم لتاتيان على شهادته لدرجة أن يوسابيوس نقل رؤيته عن هرطقة تاتيان بشكل شبه كامل عن تقليد ايريناوس([20]).

كتاب الدياتسرون

على الرغم من وجود تقاليد بكتابات الآباء تُظهر أن لتاتيان الكثير من الكتابات([21]) إلا أن التاريخ لم يحفظ لنا من تلك الكتابات سوي كتابين فقط وهما “مقالة إلى اليونانيين” و”الدياتسرون”. المثير للاستغراب هو أن يوسابيوس قد أشار إلى كتاب تاتيان الأول على أنه الأشهر والأكثر استعمالاً بين أشخاص كثيرين بل هو «أفضل كتبه وأنفعها»([22](، على الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب لم يرد في أي مخطوط أقدم من المخطوط (Arethas) والذي يعود للعام 912-913م فضلاً عن أنه لم يرد إلينا في أي من كتابات الآباء القدامى عدا يوسابيوس واكلمندس السكندري فقط([23]). بالمقابل فإن العالم بيترسين يخبرنا أن قراءات الدياتسرون توجد بما لا يقل عن 170 مخطوط أو عمل آبائي([24]). فضلاً عن أنه على النقيض تماماً من العمل الأول والذي لم يتواجد سوى في أصله اليوناني فقط، فإن الدياتسرون قد تواجد في لغات كثيرة للدرجة التي وضعت علماء المسيحية أنفسهم في موضع اختلاف حول اللغة الأصلية للدياتسرون([25]) بين اليونانية([26]) أو اللاتينية([27]) أوالسريانية([28]).

الدياتسرون كلمة يونانية تعني (خلال أو عبر الأربعة أناجيل) كمضمون للإنجيل التوافقي الذي قام به تاتيان([29])، لكن بعض العلماء يرى أن هذا التعبير ليس بالضرورة معبراً عن واقع الحال لأن الأبحاث أظهرت أن إنجيل تاتيان يحتوي على قراءات لا توجد اليوم في أي من الأناجيل القانونية الأمر الذي يعني أن الإنجيل التوافقي لتاتيان لم يعتمد على أربعة مصادر فقط وإنما تعداه إلى مصادر أخرى متعددة كإنجيل توما([30]) وإنجيل العبرانيين وإنجيل الإبيونيين وغيرهم([31])، علاوة على ذلك فإن عمل تاتيان كان عنوانه في الشرق الإنجيل المختلط([32]) حتى أن المترجم السرياني لتاريخ يوسابيوس قام متعمداً بتحريف كلام يوسابيوس([33]) لأن كلمة دياتسرون  اليونانية كانت تتطلب تفسيراً الأمر الذي يعني أنها لم تكن مألوفة لهذا المترجم وأن عنوان الإنجيل التوافقي لتاتيان كان في الحقيقة هو الإنجيل المختلط([34]).  الأمر ذاته عند الأسقف فيكتور من كابوا والذي وجد مخطوطاً يحوي نصاً توافقياً للإنجيل بدون عنوان أو اسم مؤلف وبعد بحث ذهب فيكتور إلى نتيجة أن هذا الإنجيل هو إنجيل تاتيان التوافقي على أنه قد سماه Diapenta اى “خلال الخمسة أناجيل” وليسDiatessaron  يضاف إلى ذلك الصمت الغريب من قبل آباء الكنيسة أمثال ايريناوس وترتليان وأوريجانوس واكلمندس السكندري عن الإشارة إلى هذا العمل خصوصاً وأن الأخير كان يُعد من تلاميذ تاتيان([35]).

أدلة نص الدياتسرون([36]):

أثار الانتشار القوي للدياتسرون بالكنيسة السريانية في منتصف القرن الخامس الميلادي([37]) مخاوف ثيودورت أسقف قورش([38]) من تأثير هرطقة تاتيان على إيمان تلك الكنائس([39]) فقام بجمع ما يزيد عن 200 نسخة مما سماه إنجيل الدياتسرون من الكنائس المحيطة ودمرها مستبدلاً بها الأناجيل الأربعة المنفردة([40])، هذا الفعل زامنه إصدار ربُّولا الرهاويّ أسقف أديسا لعدة قوانين منها إلزام الكهنة والشمامسة بالمحافظة على وجود الأناجيل الأربعة المنفردة بالكنيسة وقراءتها([41])، هذا الاتجاه العدائي تجاه كتاب الدياتسرون من قبل آباء الكنيسة بالقرن الخامس كان كافياً لدى العلماء للتأكيد على أنه كان سبباً مباشراً اليوم في ضياع النص الأصلي للدياتسرون([42]).

ولأنه وكما هو الحال في العهد الجديد فإن الدياتسرون: «لا تتفق واحدة من مخطوطاته مع أخرى بشكل كامل لا ترتيباً ولا نصاً. هي ليست ترجمات مختلفة إذا جاز التعبير عن الدياتسرون. إنما الوصف المناسب هو أنها نسخ أو طبعات منقحة»([43]).

ومع تنوع المصادر لنص الدياتسرون المفقود فإن العلماء يرون أن الطريقة المثلى لتصنيف تلك المصادر هو التصنيف الجغرافي:

أولاً: المصادر الشرقية

– أحد المصادر الأساسية في محاولتنا استعادة النص المفقود هو تفسير أفرام السرياني المكتوب بالقرن الرابع، هذا العمل يتوافر اليوم عبر مصدرين: الأرمينية من خلال مخطوطتين تعودان لعام 1195م([44])، السريانية وفقاً لمخطوط واحد يعود إلى نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس([45]). وفقاً لمحرر تلك المخطوطات Leloir فإن النص الأرميني يقدم شهادة أفضل من النص السرياني لتفسير أفرام([46])، المشكلة الرئيسية التي تواجه العلماء في تحليل وفصل نص الدياتسرون هو أن طبيعة المصدر نفسه عبارة عن “تفسير” الأمر الذي يجد معه العلماء صعوبة بالغة في تحديد وفصل قراءة الدياتسرون عن تعليقات أفرام نفسه([47])، علاوة على ذلك فإن أفرام نفسه متهم من قبل بعض العلماء بتحريف نص الدياتسرون الذي كان بين يديه، حيث يقول العالم ماثيو بلاك: «مثل معاصريه فإن أفرام يظهر حراً في اقتباساته مع إضافات وحذف وتعديل وعدد قليل من الاقتباسات توسعت»([48]) وهو نفس تأكيد عالم دراسات الدياتسرون الشهير Baarda حيث يقول: «ثانياً يجب أن نأخذ في الاعتبار إمكانية أنه لسبب ما فإن مار أفرام نفسه صحح قراءة الدياتسرون القديمة بينما كان يكتب تفسيره»([49])، كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنه على الرغم من عادة أفرام في الاقتباس من الدياتسرون([50]) فإن هناك من الدلائل والإشارات ما يفيد بأن أفرام كان على أقل تقدير لديه نسخة يستخدمها من الأناجيل الأربعة المنفردة([51])، على أي حال فإن تفسير أفرام يستمد أهميته كشاهد رئيسي للدياتسرون من عدة نقاط أساسية من أهمها:

  • تشابه الترتيب النصي مع ما هو معروف عن ترتيب النص بالدياتسرون([52]).
  • قرب زمنه من التاريخ الأصلي لجمع الدياتسرون.
  • بالإضافة إلى أن لغته الأصلية السريانية هي نفس لغة الدياتسرون وفقاً لرؤية الأغلبية العظمى من العلماء اليوم([53]).

– المصدر الرئيسي الثاني لنص إنجيل تاتيان هو الدياتسرون العربي، ينحدر الدياتسرون العربي عبر ما يزيد عن 7 مخطوطات و شذرات مختلفة تتراوح أعمارها الزمنية بين القرن الـ12 والـ19 الميلادي. أقدم تلك المخطوطات هو المخطوط الفاتيكاني رقم 14 ويرمز له بحرف A والمخطوط الفاتيكاني 250 والذي يعود للقرن 14ميلادي أو للقرن 16 ميلادي كما يري العالم Kahle([54]( ويرمز له بالحرف B، وفقاً لأبحاث العلماء فإن هذه المخطوطات تصنف داخلياً إلى عائلتين: الأولى وهي المخطوط A ومعها بعض الوريقات من مخطوط بيروتي يعود لعام 1332م، والثانية المخطوط B ومعه مخطوط E من المكتبة البطريركية الأرثوذكسية القبطية في القاهرة ويعود لعام 1795م ومخطوط O من مكتبة جامعة اوكسفورد ويعود لعام 1806م ومعهم مخطوطات Sbath بأرقام 1020 و1280 وتعودان لعام 1797م والقرن الثامن على الترتيب. مع الإشارة إلى أن مخطوطات العائلة الثانية أفضل نصياً من مخطوطات العائلة الأولى([55](، ومع وجود بعض الاختلافات الواضحة بين تلك المخطوطات (كاختلافهم في إدراج سلسلة نسب يسوع([56]( كجزء من النص أو كملحق بعد انتهاء النص)( ([57]فإن مهمة استعادة النص الأصلي للنموذج السرياني المستخدم في إنتاج تلك الترجمة أمر صعب للغاية([58]( خصوصاً وأن الترجمة نفسها قد عانت كثيراً من التلوث النصي عن طريق إحلال القراءة الأصلية لإنجيل تاتيان بنص الترجمة السريانية البسيطة([59](، وهو الأمر الذي انحدر بقيمة ذلك الشاهد في عملية استعادة نص الدياتسرون كما يقول العالم Lake: «فاسد للغاية وقيمته ضئيلة جداً في استعادة النص الأصلي للدياتسرون»([60](، رغم ذلك فإن الترجمة العربية لا تزال تتضمن الكثير من قراءات الدياتسرون الهامة خصوصاً تلك التي تخالف نص الترجمة البسيطة أو التي تتفق فيها مع السريانية القديمة واللاتينية القديمة مثل قراءة نص إنجيل مرقس الإصحاح الثامن العدد 32 حيث يقول النص الحالي: “ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية” إلا أنه وفقاً للدياتسرون العربي-  بالإضافة إلى اتفاق المخطوط السرياني القديم S مع ممثل اللاتينية الأفريقية القديمة المخطوط K – فإن النص يقول: “ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ويقول الكلمة علانية” تلك النبوة المثيرة لم ولن تجد طريقها إلى أي نص مطبوع نظراً لفكرها اللاهوتي المخالف لما عليه الكنيسة الأن من أن يسوع بعد قيامته لم يظهر متحدثاً بشكل علني للناس. رغم ذلك فإن هناك من العلماء من يرى صحة القراءة مثل العالم Burkitt([61](، خصوصاً وأن هذا الاتفاق المخطوطي الجغرافي يعارض أن الأمر مجرد مصادفة عابرة ويقوي فكرة أنها قراءة تاتيان([62](.

– المصدر الثالث للشهود الشرقيين لنص إنجيل تاتيان هو النص الفارسي والذي ينحدر لنا عبر مخطوط واحد فقط يعود لعام 1547م نسخ من مخطوط أقدم يحتمل أنه يعود للقرن الـ13م([63](، أولى الملاحظات الهامة عند تعامل العلماء مع النص الفارسي هو اختلاف الترتيب السردي للنص عن نظيره من شهود الدياتسرون حيث أن النص الفارسي يبدأ بإنجيل مرقس وليس إنجيل يوحنا([64]( الأمر الذي جعل بعض العلماء يتساءل حول ما إذا كان النص الفارسي شاهداً مباشراً لنص الدياتسرون أم أنه مجرد عمل اعتمد على نص الدياتسرون([65](، رغم ذلك فإن العلماء يرون أن النص الفارسي أفضل كثيراً من النص العربي ويحتوي أكثر منه على قراءات يرى العلماء أنها تعود فعلا إلى إنجيل تاتيان([66](، الملاحظ أيضاً أنه وفقاً للعالم Messina والذي قام بتحرير النص الفارسي فإن النص يحمل العديد من الإشارات التي تدل على معرفته بإنجيل يعقوب الأبوكريفي([67](، فعلى سبيل المثال وفقاً لنص إنجيل متى الإصحاح الأول العدد 24 فإن النص الحالي يقول: «فعل كما أمره ملاك الرب، وأخذ امرأته» بينما النص الفارسي يقرأ «فعل كما أمره ملاك الرب وحرس مريم»([68](، هذه القراءة فضلاً عن كونها مدعومة من قبل بعض شهود الدياتسرون الآخرين كتفسير أفرام فإنها مدعومة من قبل إنجيل يعقوب الأبوكريفي والذي يرى أن العلاقة بين مريم ويوسف لم تكن علاقة زواج أصلاً وإنما باعتبار يوسف وصياً وحارساً عليها ما يتوافق مع رؤية تاتيان تجاه الزواج([69](.

– كذلك فإن هناك بعض المصادر الشرقية الأخرى والتي يمكن استخدامها في محاولة استعادة نص إنجيل تاتيان، والتي تتضمن اقتباسات الكثير من الآباء السريان مثل  أفراهاط و يشوعداد المروزي الذي وضع تفسيراً اعتمد فيه بشكل كبير على نص الدياتسرون([70]( والشاعر صاحب التراتيل رومانوس([71]( وبعض الأعمال الكتابية بالكنيسة السريانية مثل Liber Graduum([72]( والذي كثيراً ما يقتبس النصوص بنفس أسلوب الدياتسرون، بل حتى ربُّولا الرهاويّ أسقف أديسا – والذي شدد على أهمية الأناجيل المنفردة – لم تخلُ كتاباته من قراءات دياتسرون([73](، إلى ذلك فإن العلماء عادة ما يضيفون المخطوطات السريانية المختلفة كالمخطوط السينائي السرياني والمخطوط السرياني القديم C بالإضافة إلى الترجمة السيريانية الفلسطينية Pal([74](. وبعض مخطوطات الإنجيل العربية التي تحتوي العديد من قراءات الدياتسرون([75](. ومن خلال بعض كتابات ماني فإنه بإمكاننا إضافته إلى شهود المصادر الشرقية([76](.

ثانياً: المصادر الغربية

برغم أن تاريخ الدياتسرون في الكنيسة الغربية أبسط مما هو عليه بالكنيسة السريانية إلا أنه أكثر غموضاً([77]( حيث لا يبدو أن هناك أثراً واضحاً للدياتسرون على كتابات آباء الغرب خلال القرون الأولى([78](. وبرغم عدم تمتعها بقدم بعض المصادر الشرقية إلا أن شهود المصادر الغربية لهم ثقلهم النصي في استعادة نص تاتيان.

– المخطوط Fuldensis هو مخطوط توافقي لاتيني تم نسخه من قبل الأسقف فيكتور من كابوا بإيطاليا بين عامي 541-546م، ما يلفت النظر عند معالجة المخطوط أن الترتيب الإزائي للنص هو ذاته الترتيب الإزائي عند أفرام والنص العربي، الأمر الذي يعني أن نص تاتيان قد صار ذا طبيعة ثابتة على الأقل من الناحية الترتيبية للنص، إلا أنه على النقيض تماماً فإن نص المخطوط Fuldensis يعتبر من شهود ترجمة جيروم الفولجاتا، حيث قام فيكتور بمعالجة النص تماماً كما فعل مترجم النص العربي وتعديله بما يوافقه من نص الفولجاتا([79](.

وبرغم أن النص اللاتيني للدياتسرون عموماً في تلك الفترة المتأخرة قد تمت معالجته على نص الفولجاتا([80]) إلا أنه بشكل أو بآخر فإن المخطوط Fuldensis قد ظل محتفظاً ببعض قراءات الدياتسرون([81])، لكن هذا لم يرفع من قيمته حيث كان قرار العلماء أن هذا المخطوط غير مفيد في عملية استعادة نص الدياتسرون([82](، وعلى غرار أفرام فإن فيكتور لم يعالج فقط نص المخطوط الذي أمامه وإنما أضاف عليه فقرات من المعروف أنها ليست بإنجيل تاتيان مثل سلسلة نسب يسوع فضلاً عن أنه عدل بداية نص الإنجيل ليبدأ بإنجيل لوقا بدلاً من إنجيل يوحنا([83]).

– المصدر الثاني للشهود الغربيين لنص الدياتسرون هو المخطوط Liege، وبرغم أنه يعود إلى نهايات القرن الثالث عشر إلا أنه لعب دوراً فريداً في دراسات الدياتسرون وكان المحور الرئيسي في صراعات العلماء حول اللغة الرئيسية التي كتب بها الدياتسرون([84](، رغم أن بداية ظهورها كان عام 1835م على يد Meijer إلا أن الفضل الأكبر لمعرفتنا الحالية لطبيعة علاقة هذا المخطوط بنص الدياتسرون يعود لأعمال العالم Daniel Plooij([85]( والذي قام بعمل تحرير كامل بهوامش نقدية لهذا المخطوط عبر ثمانية أجزاء([86](، وفقا لـ(Plooij) فإن أهمية هذا المخطوط تعود إلى الأسباب التالية:

  • يحتوي على عدد رائع من القراءات القديمة جداً المرتبطة بالدياتسرون([87](.
  • الكثير من هذه القراءات لا يوجد بالمخطوط Fuldensis الأمر الذي يعني أن هذا المخطوط قد اشتق من اللاتينية القديمة غير المنقحة من قبل نص الفولجاتا.
  • بعض هذه القراءات ذات طبيعة سريانية مما يفيد بأن النموذج الأصلي المشتق منه هذا المخطوط هو بالحقيقة مخطوط سرياني بدون أي وسيط يوناني([88]).

بالإضافة إلى هاتين المخطوطتين فإن هناك بعض الشواهد الغربية الأخرى والتي يمكن أن نلخصها كما يلي:

  • مخطوطات هولندية أخرى – Haare تعود لعام 1400م وStuttgart وتعود لعام 1332م وCambridge وتعود لبدايات القرن الرابع عشر وHaagse وتعود لعام 1473م.
  • المخطوطات الألمانية – Theodiscum وتعود لبدايات القرن الرابع عشر والمخطوط Sangallensis ويعود إلى نهايات القرن التاسع وقصاصات Himmelgarten وSchonbacher ويمثلان الجيل الثالث من الترجمات الألمانية للدياتسرون بعد Theodiscum و Sangallensis.
  • النص الإنجليزي – المخطوط Pepysian ويعود لعام 1400م.
  • النص الإيطالي القديم – ويتوافر عبر مخطوطتين فقط هما Venetian و Tuscan ويعودان للقرن الـ13 أو الـ14م.
  • المخطوط Heliand وهي عبارة عن منظومة شعرية طويلة عن حياة يسوع كتبت في النصف الأول من القرن التاسع.

– المصدر الثالث: القصاصة Dura وهي قطعة صغيرة لا يتعدى طولها الأربعة بوصات مربعة، تم اكتشافها بمدينة دورا أوربوس([89]( بسوريا عام 1933م، ورغم أن القصاصة وجدت بالشرق إلا أن النص الذي بها هو اليوناني ولقدم زمنها ونص اليوناني فإن تلك القطعة قد نالت اهتماماً كبيراً جداً من قبل العلماء في مناقشتهم لقضية اللغة الأصلية لنص إنجيل تاتيان  باعتبارها الشاهد الوحيد لمن يرى أن اللغة اليونانية هي اللغة الأصلية للدياتسرون كالعالم Kraeling([90](. تحتوي القصاصة على 14 سطراً يونانياً متضمنة فقرات من الأناجيل الأربعة وترجمتها كما يلي([91](:

«أم ابنى زبدي وسالومي، وزوجات الذين تبعوه من الجليل حتى شهدوا الصلب. و كان يوم الاستعداد، فالسبت كان قريباً. و عندما حل مساء الاستعداد، اليوم الذي يسبق السبت، جاء رجل عضو في المجمع من الرامة، مدينة باليهودية، يُدعى يوسف، طيب وصالح، تلميذ ليسوع لكن سراً للخوف من اليهود. و كان ينتظر ملكوت الله، هذا الرجل لم يوافق على أغراضهم».

لم يستمر رأي Kraeling أو حتى العالم Burkitt([92]( يتمتع بفرض نفسه على الساحة إذ عالج العالم Plooij([93]) و العالم Baumstark (([94] الأمر سريعاً موضحين أن هذه القصاصة قد ترجمت من السريانية فعلاً، وهو الأمر الذي علق عليه العالم بيترسين قائلاً: «منذ هذا الوقت والأغلبية العظمى من العلماء يوافقون Plooij و Baumstark ويفترضون أن الدياتسرون قد جمع في السريانية»([95]).

تبقى النقطة المدهشة في قضية تلك القصاصة ألا وهي هويتها، ففي الوقت الذي يذهب فيه كافة العلماء المتنازعين حول أصل لغتها إلى توكيد هوية واحدة لها على أنها تخص إنجيل تاتيان([96])، فإن هناك خاتمة أخرى قام بها عدد من العلماء مثل Parker, Tylor and Goodacre مفادها وببساطة أن هذا المخطوط لا يمت بصلة أصلا للدياتسرون وإنما يعود إلى إنجيل توافقي غير معروف. ([97]( الأمر الذي ترتب عليه حذف تلك القطعة من المصادر المستخدمة في عملية استعادة الدياتسرون([98]).

استعادة نص الدياتسرون

نأتي إلى السؤال الأهم في هذا البحث ألا وهو: كيف نحدد هوية القراءة الموجودة بواحدة من هذه المخطوطات المذكورة؟ كيف يمكننا أن نعتبر أن تلك القراءة تعود فعلاً إلى الدياتسرون المفقود وأن تلك القراءة تمثل تقليداً آخر غير تقليد الدياتسرون؟

لكي نحاول الإجابة على هذا السؤال فإننا بحاجة إلى فهم فكرة الإنجيل التوافقي في حد ذاتها والتي لم تكن فكرة احتكارية لإنجيل تاتيان بل بدا واضحاً منذ بدايات القرن الثاني أن تعدد الروايات من منظور مختلف للأناجيل الأربعة يسبب مشكلة كبيرة في الكنيسة الأولى، فها هو أوريجانوس يخبرنا قائلاً: «لو قام أحدهم بدراسة متأنية للأناجيل مع مراعاة التناقضات في الأمور التاريخية، … فإنه سيشعر بالدوار وسيقرر إما أنه سيتخلي عن أية محاولة لإثبات صحة الأناجيل – ولأنه لا يجرؤ على إنكار إيمانه التام ويراعي قصة ربنا فإنه سيقوم باختيار عشوائي لواحد منهم أو سيقبل حقيقة أن هذه الأناجيل الأربعة لا تكمن في النص الحرفي»([99])، الاختلافات بين الروايات المتضاربة إذاً كانت هي المطلب الأول لوجود إنجيل توافقي موحد يجمع نص الأناجيل المنفردة مع نطاق سردي موحد يخلو من أي مشاكل تناقضية، لقد صارت إذاً هي القضية الكبرى([100]) التي تشغل عقل نساخ القرون الأولى([101]). بداية الحل إذاً كانت عند النساخ حيث قاموا بتحريف وتعديل نصوص الأناجيل المختلفة للتوافق مع بعضها البعض للحد الذي رأى فيه العلماء أنه: «التوافق هو أكثر أسباب فساد الأناجيل»([102]) وهو الأمر الذي يعني أنه «لا يوجد مخطوط نجا من درجة ما من الفساد التوافقي في نصه»([103])، لعل أفضل مثال لتوضيح هذا الفكر هو مثال نص الصلاة الربانية والتي قام النساخ بتحرير نص لوقا الأصلي والإضافة عليه ليتوافق مع نص متى([104])، تلك الخطوة أخذت في التطور والاتساع وبدا وكأنها غير كافية لذا فقد عمد البعض إلى حل آخر يعتبر جذرياً ألا وهو حل التوافق السردي الموحد، حيث يقوم المؤلف بتجميع خلاصة النصوص المتضاربة ويعيد صياغتها وفق سرد واحد، لكن يبدو واضحاً أن هذا التطور قد نبع من الفكر الآبائي حيث يظهر بشكل واضح في كتابات: يوستينوس الشهيد وأغسطينوس وجيروم ويوسابيوس القيصري وحتى أوريجانوس([105])، الهدف كان خلق عمل أكاديمي يحوي تفاصيل لحياة يسوع أكثر بكثير مما يمكن لأحد أن يجده في إنجيل واحد([106])، يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم وهو العامل الاقتصادي فإنتاج كتاب واحد أقل تكلفة بكثير من إنتاج أربعة كتب فضلاً عن سهولة حمله في الترحال والقراءة منه([107]).

بنظرة سريعة لتاريخ الكنيسة فإننا سنجد أن الخطوة الأخيرة “السرد التوافقي الموحد” لم تنجح بشكل كبير إلا مع عمل تاتيان، لكن هذا النجاح قابلته مشكلة اعتراض البعض على تاتيان لكونه مهرطق الأمر الذي حدا ببعض الآباء للمناداة كما رأينا بنبذه كلياً أو ببعض النساخ لتحريف نص الدياتسرون مع إبقاء آثار سرده القصصي كما هو الحال بالمخطوطات العربية أو المخطوط Fuldensis.

أيضاً فإنه بإمكاننا أن نرى كذلك أن الانتقال النصي لإنجيل تاتيان التوافقي لا يختلف كثيراً عن الانتقال النصي لمخطوطات العهد الجديد فكلاهما عانى من تدخلات النساخ، فإذا كان هدفنا من تحليل مخطوطات الدياتسرون هو الوصول إلى نص إنجيل تاتيان المفقود فإننا بالتأكيد سنواجه نفس مشاكل الوصول إلى النص الأصلي للعهد الجديد، فحتى مع اعتبارنا أن نص أفرام هو أقرب شاهد لنص الدياتسرون إلا أنه: «من غير المحتمل أن يكون نص الدياتسرون قد بقي بشكل كامل بدون تغيير حتى وصوله إلى يدي أفرام»([108])، بل لا يجب أصلا أن نتخيل أنه: «عندما نقول أن أفرام قام بتفسير نص الدياتسرون أننا نعني أن نص الدياتسرون قد بقي بدون تغيير حتى عصر أفرام»([109])، الأمر إذاً ليس بهذه البساطة.

المحاولة الأولى للإجابة على سؤالنا كانت من قبل العالم فوجيلز حيث قام بوضع القاعدة الأولى لتمييز القراءة الـ(تاتيانية) عن القراءة غير الـ”تاتيانية”([110]) حيث تنص تلك القاعدة على أن القراءة المتوافقة بين السريانية القديمة واللاتينية القديمة هي بالضرورة تعود إلى إنجيل تاتيان إلا أن هذه القاعدة فشلت في الإجابة على التساؤل عن هوية القراءات التي توجد في مصادر الدياتسرون المذكورة سابقاً ولا توجد في السريانية ولا اللاتينية القديمة. القاعدة الثانية وضعت من قبل اقتراح العالم Baumstark والذي يرى أن أي قراءة منحرفة عن النص اليوناني – أو قراءة أحادية – هي قراءة تاتيان وتلك القاعدة لا تتحمل أي نقد خصوصاً وأنها تتجاهل الأخطاء النسخية الطبيعية. العالم Curt Peters قدم مقترحاً آخر مفاده أن القراءات الموجودة في الشهود الشرقيين ولكنها لا توجد في السريانية البسيطة هي قراءة تاتيان، مرة أخرى فإن تلك القاعدة أهملت تاريخية الفساد النصي الذي يلحق بأي شاهد منفرد بذاته. أول قاعدة حقيقية مفيدة يمكننا أن نجدها عند العالم Quispel والتي تنص على أن قراءة الدياتسرون هي تلك القراءة التي تتمتع بدعم من المصادر الشرقية والغربية معاً، تم توسعة تلك القاعدة على يد Fon Weringha ليضاف عليها غياب تلك القراءة من الجزء الأكبر من المخطوطات اليونانية واللاتينية الرسمية. أما اليوم فإن أقرب القواعد المتفق عليها هي قواعد العالم (بيترسين) والتي تنص على:

  • القراءة التي تعتبر “تاتيانية” يجب أن تتواجد في الشواهد الغربية والشرقية([111]).
  • القراءة يجب ألا تكون في أي شاهد غير “تاتياني” يمكن أن يكون الدياتسرون قد اشتق منه القراءة([112]).
  • القراءة يجب أن تكون من نوعية توافقية أو من أي شاهد يندرج تحت فكرة إنجيل توافقي([113]).

من خلال فحص بعض القراءات فإن القارئ يمكنه أن يرى أن القاعدة الثالثة هي أضعف تلك القواعد، إذاً يجب أن نضع في الاعتبار أن تاتيان لم يكن غرضه الوحيد هو خلق توافق بين روايات الأناجيل المنفردة، بل في بعض المواضع يمكننا أن نجد أن تاتيان يقدم حلولاً أخرى بعيدة أصلا عن التوفيق بين روايات الأناجيل المنفردة، فعلى سبيل المثال تخبرنا فقرة هامشية بالمخطوط الفاتيكاني السرياني 154 والذي يعود للقرن الثامن أو التاسع ما يلي: «تاتيان الهرطوقي هو كما يقول البعض من قام بعمل هذا – يقصد الدياتسرون- وعندما جاء على قصة القيامة ورأى الاختلافات بها فإنه تخلى عن عمله»([114])، كذلك ديونيسيوس ابن صليبا في تفسيره على العهد الجديد أمدنا بنفس المعلومة حول أن الأناجيل التوافقية ومنها تاتيان عندما وصلت إلى قصة القيامة أنهت عملها([115])، باختصار فإنه يمكننا القول بأن الدياتسرون: «ليس دائماً توافقياً بالمعنى الحديث»([116]).

قبل أن أنتقل إلى طرح بعض الأمثلة لطبيعة نص الدياتسرون فإني أود أن أطرح قاعدة رابعة أرى أنها مناسبة جداً للفكر المسيحي السائد بتلك الفترة ألا وهو فكر التحريف النصي بغرض الدعم المذهبي([117]). تنص القاعدة على أن القراءة الأقرب لكي تكون قراءة الدياتسرون هي القراءة الموافقة لفكر تاتيان. فعلى الرغم من أن التأثير الغنوسي المحتمل بـ(فالانتينوس) غائب تماماً عن الدياتسرون([118])، إلا أن هناك بعض القراءات ببعض شواهد الدياتسرون الشرقية والغربية تقدم لنا فكر تاتيان الإنكاري([119]) مثل حذف كلمة «رجلها» من إنجيل متى الإصحاح الأول العدد 19 من قبل بعض مخطوطات الدياتسرون بسبب فكر تاتيان الإنكاري عن الزواج([120]).

 

المثال الأول: يسوع الطائر

وفقاً لإنجيل لوقا فإن يسوع لاقى معارضة شديدة بالناصرة حيث يقول النص من الإصحاح الرابع (28-31):

«28 فامتلأ غضبا جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا 29 فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل 30 أما هو فجاز في وسطهم 31 ومضى وانحدر إلى كفرناحوم مدينة من الجليل وكان يعلمهم في السبوت».

يبدو العدد 30 وكأنه لا معنى له بعد العدد 29 فإذا كان هدف الجماعة المعلن هو التخلص من يسوع ويبدو عليهم الإصرار في ذلك لدرجة إخراجه إلى سفح الجبل للقضاء عليه فكيف يمكن حشر فكرة انصراف يسوع بشكل عادي وسط سياق تلك الأفكار من قبل القوم؟!([121]) إنجيل تاتيان يقدم لنا الإجابة على هذا السؤال موضحاً كيفية انصراف يسوع ونجاته من القتل، ببساطة لقد طار يسوع في الهواء!

عام 1986 قدم العالم Baarda([122]) بحثاً مطولاً يثبت فيه أن القراءة الأصلية لإنجيل تاتيان المفقود تتضمن إشارة إلى أن يسوع في سبيل خلاصه من الغاضبين طار جسدياً في الهواء. بحث العالم Baarda قام في بدايته على شهادة أفراهاط الموصوف بالحكيم الفارسي([123]) المتوفي عام 345م حيث يقول: «وأظهر قوة عظمته حين طرح لأسفل من الأعلى إلى الأعماق بدون أن يصاب بأذى»([124])، تلك الشهادة قابلها ما لا يقل عن 15 اقتباساً من أفرام السرياني حول تلك المعجزة الخارقة ليسوع، حيث يقول في واحدة منها: «وعندما طرحوه أرضاً من الجبل فإنه طار في الهواء»([125])، من تلك الشهادات فإن العدد 30 قد يبدو موضع شك، فكيف اجتاز في وسطهم بينما ينص أفراهاط و أفرام على أنه لم يصب بأذى بعد أن أسقطوه من أعلى الجبل؟! على الناحية الأخرى فإن التقليد الغربي يقدم لنا شهادة توثيق أخرى موازية زمنياً لتلك الشهادة الشرقية. فوفقاً لدفاعه ضد هرطقة فاوستوس([126]) وهو أحد الهراطقة المانويين بالقرن الرابع فإن أغسطينوس ذكر استشهاد فاوستوس بقصة إسقاط يسوع من الجبل بدون أن يموت الأمر الذي رأى فيه العالم Baarda تفسيراً معاكساً لفعل أغسطينوس من أنه كان يعرف تلك القراءة مسبقاً قبل استشهاد فاوستوس لها بدليل أنه لم يعترض عليها أو يشير إلى عدم وجودها بالإنجيل القانوني الذي بين يديه([127])، علاوة على ذلك فإن العالم بيترسين أشار إلى أن بعض العلماء اليوم يرون أن أغسطينوس نفسه له استشهادات من الدياتسرون([128]) يُضاف إلى شهادة أغسطينوس شهادة الشاعر الواعظ الهولندي الشهير بالقرن 13م جاكوب فان مرلانت وشهادة الكتاب المتداول بين اليهود في العصور الوسطي حياة يسوع([129]).

المثال الثاني: معمودية يسوع

واحدة من أشهر الأمثلة على الإطلاق في دراسة إنجيل تاتيان، نص معمودية يسوع بإنجيل متى الإصحاح 3 العدد 16: «فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتياً عليه».

إلا أنه وفقاً لشهادات متفرقة شرقاً وغرباً فإن القصة تتضمن سطوع نور([130]) عظيم من الماء عند معمودية يسوع، قبل سرد تلك الشهادات ينبغي أولاً أن نضع في الاعتبار شهادة إبيفانيوس من أن تلك القراءة كانت موجودة بإنجيل الإبيونيين([131]) وهو الإنجيل الذي يُعده إبيفانيوس نسخة مشوهة من إنجيل متى، الشاهد الرئيسي لتلك القراءة بعيداً عن الإبيونيين هو المدافع الفيلسوف يوستينوس الشهيد الذي في “حواره مع تريفون اليهودي” قال: «وعندما أقبل يسوع إلى نهر الأردن حيث كان يوحنا يُعمد، نزل في الماء فاشتعلت نار في مياه الأردن»([132])، فإذا أخذنا في الاعتبار التقليد القائل بأن فرقة الإبيونيين قد ظهروا بنهايات القرن الأول فهل هذا يعني أن مصدر القراءة عند يوستينوس الشهيد كان إنجيلاً مزيفاً؟!([133]) عمل آخر منحول ذكر في كتابات منسوبة إلى كبريانوس بالقرن الثالث أو الرابع ويُدعي “Preaching of Paul” ذكر أنه بينما كان يسوع يُعمد ظهر نار في الماء([134])، عمل آخر “The Sibylline Oracles” ذكر واقعة النار عند المعمودية([135])، النص الإنجليزي Pepysian للدياتسرون كذلك يحوي تلك الفقرة، وكذلك كتاب الأشعار Vita Rhythmica والذي يعود للعام 1230م([136])، بالإضافة إلى ذلك فإن الكنيسة الغربية بدا وكأنها على معرفة تامة بهذه القراءة من خلال شهادة المخطوطتين: a ويعود للقرن الرابع ويعتبر واحداً من أشهر وأقدم وأهم المخطوطات اللاتينية الأوروبية([137]) والمخطوط g1 والذي يعود للقرن التاسع ويتضمن نص الفولجاتا مع حفظه لبعض القراءات اللاتينية القديمة جداً([138]). الكنيسة الشرقية كذلك تعرف القراءة من خلال أقدم شاهد سرياني وهو دياتسرون تاتيان فبالإضافة إلى إشارة أفرام الى تلك القراءة بتعليقاته على نص الدياتسرون([139]) فإن الشاهد المباشر على وجودها بنص الدياتسرون هو قول يشوعداد المروزي وديونيسيوس بن صليبا: «وفي الحال كما يشهد الدياتسرون فإن نور عظيم سطع ونهر الأردن أحيط بالسحب البيضاء… »([140])، تلك الشهادة يمكننا أن نضيف إليها ما يعززها من خلال تأكيد فكر تاتيان اللاهوتي عن أهمية رمز النور على النار([141])، يعقوب السروجي([142])، رومانوس([143])، ساويروس الأنطاكي([144]) كذلك يعرفون تلك القراءة.

هل هي قراءة مُحرفة؟، إجابة هذا السؤال لا تبدو بتلك السهولة فليس كل الشهود لتلك القراءة يرتبطون بصلة نصية تجمع بينهم، لا أرى أن تاتيان([145]) أو يوستيوس قد اخترعوا تلك القراءة هي كانت موجودة بالإنجيل الذي يقتبسون منه، وسواء أكان هذا الإنجيل مزيفاً أو إنجيل متي فستبقى النتيجة أن القراءة بدياتسرون تاتيان ستظل شاهد واضح على تحريفات القرن الثاني.

المثال الثالث: بعد قيامته

«الفقرة الأكثر تعقيداً بقصة إنجيل متى 27/ 51-53»، هكذا علق الكاثوليكي الشهير ريموند براون([146])،إنها قصة قيامة القديسين بإنجيل متى، رغم غرابة الحدث وغياب البُعد التاريخي والمنطقي بالواقعة([147]) إلا أن الفقرة المعنية هنا بمثالنا هي فقرة العدد 53 والقائلة: «بعد قيامته» تلك الفقرة والتي حيرت علماء المسيحية كثيراً في البحث عن جواب مقنع للسؤال حول سبب انتظار القديسين في المقابر لمدة ثلاثة أيام حتى قام يسوع؟!([148]) اليوم فإن عدداً متزايداً من العلماء بدأ في الحديث عن أطروحة كونها فقرة مضافة غير أصلية([149])، رغم كونها غير مذكورة بالمرة في أي من الأناجيل الأخرى فإن العالم بيترسين يرى أن تاتيان يقدم لنا القراءة الأصلية ألا وهي أن القديسين قاموا بعد واقعة الصلب مباشرة وليس بعد قيامة يسوع([150])، التقليد الشرقي لتلك القراءة يتضمن أربع شهادات:

الأول أفرام السرياني والذي عبر ما لا يقل عن خمسة مواضع بتفسيره وترانيمه ذكر أن قيامة القديسين كانت في يوم الصلب، ففي تعليقاته على الدياتسرون يقول: «عندما أظلمت الشمس وتمزق حجاب الهيكل والحرس اضطربوا والقبور انفتحت والموتى قاموا …»، وفي ترنيمته الثالثة على القيامة يقول: «الابن البكر، فإنه في يوم موته حطم قضبان بوابة الجحيم كما حطم المصريين. الموتى ظهروا وأوضحوا قوته …»، الشاهد الثاني هو المفسر يشوعداد المروزي القائل: «ويجب علينا أن نعرف أن الموتى الذين خرجوا من قبورهم في الوقت الذي فارقت فيه روح سيدنا جسده …»، الشاهد الثالث هو رومانوس والقائل: «ثم فجأة كل القبور انفتحت من تلقاء نفسها ومنها خرج كل الموتى ورقصوا»، رابعاً وأخيراً فإن المخطوطات الثلاثة للسريانية الفلسطينية  SyrPalلا تتضمن هذه الفقرة.

الشاهد الغربي للدياتسرون يتكون من شاهدين: الأول هو المخطوط Pepysian والذي يقول: «بالإضافة إلى ذلك فإن الحجاب المعلق بالهيكل انشق إلى قطعتين، الأرض تزلزلت، الصخور تشققت والرجال الموتى قاموا من قبورهم ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا للكثيرين …»، والثاني هو المخطوط Heliand والذي يقول: «وقبور الرجال الموتى فتحت على مصراعيها وأجسادهم قامت حية من الأرض وانكشفت كمعجزة للرجال …».

شاهد آخر أشار إليه العالم بيترسين ألا وهو البردية إيجرتون 3 والتي تعود لنهايات القرن الثاني أو بدايات القرن الثالث([151]).

المشكلة اللاهوتية لتلك القراءة لا تحتاج إلى شرح طويل فوفقاً لرسالة بولس الأولى إلى كورنثوس فإن يسوع هو «باكورة الراقدين»([152]) فإذا كان الدياتسرون يشير إلى القراءة الأولى الأصلية لإنجيل متى فإن القراءة الأسهل هي بتحريف هذا النص لتفادي التصادم مع فكر بولس اللاهوتي.([153]) وعليه فإنه: «وفقاً للدياتسرون فإنه ليس فقط القيامة ولكن ظهور الموتى أخذ موضعه في وقت موت يسوع على الصليب»([154]).

المثال الرابع: ويل لنا

وفقاً لشهادة الصلب عن إنجيل لوقا الإصحاح 23 العدد 48 فإن جموع اليهود بعد أن شاهدوا صلب يسوع عادوا إلى بيوتهم وهم يضربون صدورهم، وفقاً لعدد من الشهادات القديمة فإن اليهود كانوا يضربون صدورهم وهم يقولون: «الويل لنا! ماذا أصابنا؟ ويل لنا من خطايانا».

بداية فإن الشاهد على وجود تلك الفقرة يتمتع بالقدم الزمني، حيث أن المخطوط السرياني السينائي والمخطوط السرياني الكورتيوني وهما الممثلان اليوم عن السريانية القديمة، ورغم تأخر زمن كتابتهما إلا أن العلماء يعودون بنصيهما إلى نهايات القرن الثاني أو بدايات القرن الثالث([155]). كذلك بجانب شهادة المخطوطات السريانية القديمة فإن الفقرة توجد بالإنجيل المنحول بطرس والذي يعود به العلماء للقرن الثاني،([156]) أما شهود الدياتسرون فيمكننا ذكرهم كما يلي([157]):

  • أفرام: «الويل لنا لقد كان ابن الله، هذا ما قالوه … ها قد حل حكم خراب أورشليم».
  • أفراهاط: «الويل لنا! ماذا أصابنا؟ من ترك الناموس ومن منا الذي افتخر بالإثم».
  • وثيقة عقيدة عدّاى والذي يعود للقرن الرابع: «من قام بصلبه يعرف أنه كان ابن الله، هم لم يعلنوا بخراب مدينتهم فحسب بل أيضاً أسقطوا اللعنات على أنفسهم».
  • المخطوط g1 «الويل لنا من يحمل خطايانا اليوم لقد سارع تدمير أورشليم».

العلاقات الغير واضحة بين المخطوطات الداعمة لصحة الفقرة جعلت العلماء يقرون بأن تلك الفقرة أصيلة بإنجيل تاتيان رغم عدم وجودها في الكثير من مخطوطاته الباقية اليوم حيث يقول العالم ريندل هاريز: «تلك الحالة لها اهتمام خاص فعلى الرغم من أن النسخة العربية تحذف الفقرة فإن السريانية القديمة واللاتينية القديمة وأفرام وأفراهاط وعقيدة عداي تمكننا من استعادة الفقرة المفقودة بثقة تامة»([158]).

الخاتمة:

تعتبر دراسات الدياتسرون من أهم الدراسات في مجال النقد النصي حيث يخبرنا العالم Võõbus في مقدمة حديثه عن إنجيل تاتيان ما نصه: «في تاريخ الترجمات بالإضافة إلى المرحلة المبكرة من التطورات النصية بالعهد الجديد ككل فإنه ليس هناك ما هو أعظم أو أكثر أهمية من اسم تاتيان»([159])، لكن الملفت للنظر أن تلك الأهمية هي أهمية تاريخية بحتة فحتى تلك اللحظة لا تزال القيمة النصية للدياتسرون تحمل الكثير من علامات الاستفهام في النسخ النقدية الحديثة، حيث يقول العالم Baarda: «في الواقع فإن إيماني الراسخ هو أنه من غير الممكن جعل الدياتسرون كشاهد قياسي بأي هامش نقدي»([160])، رغم هذا التجاهل فإنه بإمكاننا أن نؤكد أن دراسات الدياتسرون الحالية لها من الأهمية النصية ما يكفي لبيان أن نص الإنجيل بالقرن الثاني كان عرضة لكل أنواع التحريف وأن الشكل القانوني لذلك النص لم يكن قد حسم بعد([161]). فعلى سبيل المثال بمطالعة سطحية لشهود قراءة “غضب يسوع” بإنجيل مرقس 1/41 فإننا سنجد أن الإصدار الخامس من إصدارات لجنة الكتاب المقدس UBS تضع الدياتسرون كشاهد أساسي لتلك القراءة والتي تتمتع اليوم بموافقة الأغلبية من العلماء([162]) رغم أن الدعم المخطوطي لها يقتصر فقط على خمس مخطوطات لاتينية([163]) ومخطوط يوناني متأخر([164])، بالإضافة إلى دعم الدياتسرون. لكن النظرة الفاحصة لشهود نص الدياتسرون تكشف أن كافة الشهود الغربيين تحذف شعور يسوع عموماً سواء أكان شعور بالود أو بالغضب بينما تنص الترجمة العربية صراحة على قراءة “فتحنن يسوع” ومع ذلك فقد تم رفضها من قبل العلماء واكتفوا في هذا الموضع باعتماد قراءة الدياتسرون بناءً على شهادة أفرام فقط([165]). مثال آخر يمكن أن يفيدنا هنا هو مرقس 1/2 حيث قراءة كافة النسخ النقدية “أشعياء” بدلاً من “الأنبياء”، قد يفاجئ القارئ بأن التقليد المسيحي يتضمن شهادة على أن تاتيان بإنجيله شهد لقراءة “الأنبياء” حيث يقول ديونيسيوس إبن صليبا: «في كتاب الدياتسرون حيث تم تجميعه في الإسكندرية وكتبه تاتيان الأسقف وأيضاً في الإنجيل اليوناني و في الهيراقلية فإنه كتب: “في النبي” بدون توضيح من يكون النبي»([166])، هذه الشهادة لا توجد بأي هامش نقدي بأي نسخة يونانية. من تلك الشهادات يمكننا أن نتخيل إذاً فكرة أن النص انتقل من الأناجيل المنفردة إلى الإنجيل الإزائي لتاتيان إلى المخطوطات المنفردة والإزائية في الوقت ذاته، خلال تلك العملية فإن كل مرحلة كانت قائمة بذاتها قد تم العبث بها من قبل النساخ، فإذا كان العلماء كما بينا يرون أن تاتيان قد حرف الإنجيل الذي بين يديه لدواعي لاهوتية فإن النساخ من بعده قد حرفوا نص الدياتسرون نفسه لأغراض لاهوتية وإزائية مع المخطوطات الأخرى. يمكننا هنا ضرب مثل لوقا 18/43 حيث أن العائلة النصية الأولى للترجمة العربية تثبت النص كما هو بالبشيطا: «وفي الحال أبصر وتبعه وهو يمجد الله وجميع الشعب إذ رأوا سبحوا الله» بينما تحذف مخطوطات العائلة الثانية من الترجمة العربية ما تحته خط([167])، تلك التحريفات داخل التقاليد النصية الخاصة بالعمل الواحد الدياتسرون تجعل مسألة استعادة نص الدياتسرون أمراً غاية في الصعوبة للدرجة التي تجعل القاعدة: «لو أن عدداً قليلا من مخطوطات الدياتسرون يعطي قراءة مغايرة بينما الأغلبية من المخطوطات الأخرى يوافق النص القانوني القياسي فإن القراءة المغايرة يجب أن تفترض كقراءة أصلية»([168]) هي قاعدة فضفاضة لا تحل الإشكال، فالأمر ليس بتلك البساطة إذ كيف يمكن تفسير تلك الإضافة بإنجيل متى 26/47 والتي تقول: «وعصي من قبل عظماء الكهنة والكتاب ومشايخ الشعب ومعه رجل الروم»!. إن تلك الأمثلة وغيرها الكثير والكثير من الأمثلة لهي خير دليل كافٍ للشهادة على أن التحريف بالقرن الثاني كان في أشده ومع غياب مخطوطات حقيقية تغطي تلك الفترة الزمنية المجهولة في حياة تاريخ الانتقال النصي فإن دياتسرون تاتيان سيظل شاهداً على وقوع هذا التحريف بالقرن الثاني الميلادي.

بحث منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) Molly Whittaker: Oratio: Tatain, Oratio ad Graecos and Fragments, OECT (Oxford 1982), Chapter: 42.

([2]) William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist, p.16.

([3])  تادرس يعقوب ملطي: نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، ص27.

([4]) Molly Whittaker: Oratio: Tatain, Chapter 29.

([5]) ضد الهرطقات للقديس إيرينيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة نصحي عبد الشهيد، ص117.

([6]) Epiphanius: Panarion haer. 46.1.8.

([7]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، الكتاب الرابع، الفصل 27، الفقرة:3، ترجمة مرقس داود، ص191.

([8]) ضد الهرطقات للقديس إيرينيوس، ص117.

([9]) علم الآبائيات “باترولوجي”، تأليف جوهانس كواتسن، ترجمة أنبا مقار، المجلد الأول، ص244-245.

([10]( Jerome: Against Jovinianus, 1.3

([11]( Jerome: Prologue to Titus.

([12]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص191.

([13]( Gerald F. Hawthorne: Tatian and His Discourse to the Greeks, THTR, v57, p165-167 n3.

([14]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص220.

([15]) السابق، ص241.

([16]( Peter M. Head: Tatian’s Christology, Tyndale Bulletin, 43.1 (1992), p123 n8.

([17]( Stromateis III.82.2.

([18]( Oratio: Tatain, Oratio ad Graecos, Chapter: 29.

([19]( R.M. Grant: The Date of Tatian’s Oration, HThR 51 [1958], p99.

([20]) يقول العالم بيترسين أن كل التقارير اللاحقة اعتمدت على كلام ايريناوس. يراجع كتابه الموسوعي عن الدياتسرون:

William L. Petersen: Tatian’s Diatessaron: Its Creation, Dissemination, Significance, and History in Scholarship, p.76.

([21]( Hill, Earliest Life of Christ, p. ix.

([22]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص191.

([23]( Paul Foster: Early Christian Thinkers: The lives and legacies of twelve key figures, Electronic Edition.

([24]( Petersen: The Diatessaron of Tatian (The Text of the New Testament in Contemporary Research), p.77.

([25]( Stanley E. Porter: How We Got The New Testament, p.89.

([26]( Tjitze Baarda (In): The Early Text of the New Testament, p.337.

([27]( BurkittL Tatian’s Diatessaron and the Dutch Harmonies, JTS 25 [1924] p.125-128.

([28]( W. L. Petersen: “New Evidence for the Question of the Original Language of the Diatessaron”, p325-343.

([29]) الإنجيل التوافقي لم يكن ابتداعاً من تاتيان فوفقاً لدراسات العلماء فإن تاتيان طور فكرة الإنجيل التوافقي الموجودة أصلا في مدرسة معلمه يوستينوس (The Early Text of the New Testament, p337). بالإضافة إلى ذلك، يوجد تقليد عن يوسابيوس يفيد بأن هناك محاولة قديمة فاشلة مثل محاولة Ammonius والتي لا يظهر لها أي أثر حالياً في أي مكان عدا يوسابيوس فقط.

([30]( Gilles Quispel: Tatian and the Gospel of Thomas, p.174-190.

([31]( William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.14.

([32]( Edward A. Johnson: The First Harmony of the Gospels: Tatian’s Diatessaron, JETS 15 (1972), p.228 n5.

([33]) حيث قام المترجم بحذف جملة “لست أدري بأية كيفية” وعدل الفقرة لتصبح: «على أن تاتيان مؤسسهم الأول جمع ودمج وكون إنجيلا وسماه الدياتسرون، الآن هذا الإنجيل المختلط هو ذاته الموجود في أيدي الكثيرين حتى هذا اليوم».

([34]( Petersen: Tatian’s Diatessaron: Its Creation…, p.37.

([35]( Ibid, p43.

([36]) من أهم المراجع التي تتحدث باستفاضة عن مخطوطات وشهود نص الدياتسرون:

– William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.18-28.

– Bruce M. Metzger: Early Versions, p.10-25.

– Arthur Võõbus: Early Versions of the New Testament. Manuscript Studies, p1-31.

([37]( Gerald F. Hawthorne: Tatian and His Discourse to the Greeks, THTR, v57, p.165 n3.

([38]) مدينة صغيرة تقع بسورية على مسافة يومين من أنطاكية.

([39]( Philip W. Comfort‏: Encountering the Manuscripts: An Introduction to New Testament, p96.

([40]) كتاب تاريخ الهرطقات 1.20

([41]( F.C. Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p177.

([42]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p132.

Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p18.

([44]( L. Leloir: Saint Ephrem, Commentaire de l’evangile concordant, CSCO 137 (Louvain, 1953 & 1954).

([45]( L. Leloir: Saint Ephrem, Commentaire de l’evangile concordant, CBM 8 (Dublin, 1963).

([46]( L. Leloir: Le Temoignage, CSCO 227, p.236.

([47]( Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.19

([48]( Matthew Black: The Syriac Versional (in) Die alten Übersetzungen des Neuen Testaments, p.122.

([49]( Tj. Baarda: A Syriac Fragment of Mar Ephracm’s, NTS viii (1961-2), p297.

([50]) على القارئ أن يضع في ذهنه أن أفرام لم يُسمِ الدياتسرون أو يذكر اسم تاتيان في تفسيره على الإطلاق والدليل الذي يتمسك به العلماء على أنه تفسير للدياتسرون هو شهادة بعض الآباء السريان مثل يشو عداد المروزي على أن أفرام وضع تفسيراً للدياتسرون.

([51]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p186-190.

([52]) وفقاً لشهادة ديونيسيوس بن صليبا-القرن 12م-  فإن دياتسرون تاتيان يبدأ بنفس بداية إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمة».

([53]( Zola: Tatian’s Diatessaron and the Passion Chronology. M.A. diss., 2009, p69.

([54]( Paul E. Kahle: The Cairo Geniza (London, 1947), p213.

([55]( Metzger: Early Versions, p16.

([56]) تجدر الإشارة إلى أن ثيودورت أسقف قورش قد أشار إلى أن الدياتسرون أصلا لا يحوي سلسلة نسب يسوع!.

([57]) مثال آخر: لوقا الإصحاح الثامن العدد 25 نجد أن العائلة النصية الأولى تقرأ النص: يأمر الرياح والأمواج والبحر فتطيعه بينما تقرأ العائلة النصية الثانية: يأمر أمواج البحر والرياح فتطيعه.

([58]( Kahle: The Cairo Geniza (London, 1947), p227.

([59]( Võõbus: Early Versions of the New Testament, p8.

([60]( K. Lake: Reviewed Work- Our Bible and the Ancient Manuscripts, JBL 60 (1941), p331.

([61]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p240.

([62]( C. S. C. Williams: Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, p22.

([63]( Metzger: Early Versions, p17.

([64]) يختلف ترتيب النص الفارسي عن غيره فيما يقارب الـ250 مقطعاً نصياً بالإضافة إلى مقاطع لا توجد أصلا في النصوص الأخرى.

([65]( Tjitze Baarda: In Search of the Diatessaron Text, Vox Theologica 17 (1963), p111.

([66]( Petersen: Ibid, p20.

([67]) إنجيل أبوكريفي كتب بمصر منتصف القرن الثاني الميلادي.

([68]( Messina: Diatessaron Persiano, BibOr 14 (Roma, 1951), p17.

([69]( Petersen: Ibid, p56.

([70]( M. D. Gibson: The Commentaries of Isho’dad of Merv, 3 vols.

([71]( William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist.

([72]( Parsons: The nature of the gospel quotations in the Syriac Liber Graduum (1968).

([73]( Võõbus: Investigations into the Text of the New Testament used by Rabbula of Edessa, 1947.

([74]( Matthew Black :The Palestinian Syriac Gospels and the Diatessaron, OrChr 36 (1939) p101-11.

([75]( Curt Peters: Das Diatessaron Tatians (OrChrA 123: Roma 1939), p48-62.

([76]( Krans & Verheyden: Patristic and Text-Critical Studies: The Collected Essays of William L. Petersen, p90.

([77]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p72.

([78]( Ulrich B. Schmid: In Search of Tatian’s Diatessaron in the West, Vigiliae Christianae 57 (2003), p176-178.

([79]( Petersen: Ibid, p21.

([80]( Burkitt: Tatian’s Diatessaron and the Dutch Harmonies, JThS 25 (1924), p120.

([81]( Petersen: Ibid, p21.

([82]( Schmid: In Search of Tatian’s Diatessaron, p178.

([83]( Johnson: The First Harmony, p229.

([84]( Petersen: Ibid, p21.

([85]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p75.

([86]( Plooij & Phillips & Bakker: The Liege Diatessaron, 1-8, (Amsterdam 1929-1970).

([87]) أطلق عليها العالم بيترسين لقب منجم الذهب لقراءات الدياتسرون.

([88]) على سبيل المثال إنجيل مرقس الإصحاح الثامن العدد 10 يقول النص وفقاً لهذا المخطوط: «عندما نفذ اللحم جلس يسوع في القارب وعبر إلى أرض تدعي ماجدان»، كلمة “جلس” لا توجد إلا في السريانية القديمة فقط.

([89]) دمرت من قبل الفرس بين عامي 256-257م.

([90]( Carl H. Kraeling: A Greek Fragment of Tatian’s Diatessaron from Dure (SD 2; London; 1935)

([91]( D. C. Parker: The Living text of the Gospels, p21-22

([92]( Burkitt: The Dura Fragment of Tatian, JThS 36 (1935) p255-259

([93]( Plooij: A Fragment of Tatian’s Diatessaron in Greek, ExpTim 46 (1934-1935), p 471-476

([94]( Baumstark: Das griechische Diatessaron-Fragment von Dure-Europos, OrChr 32 (1935), p 244-252

([95]( Petersen: Ibid, p32

([96]( Jan Joosten: The Dura Parchment and the Diatessaron, VigChr 57 (2003), p159–175.

([97]( Parker, Taylor, and Goodacre: “Dura-Europos Gospel Harmony,” p228.

([98]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p67.

([99]) تفسير إنجيل يوحنا 10.3.2- نقلاً عن العالمBaarda .

([100]( Petersen: Ibid, p21 n2.

([101]) حتى كتبة الأناجيل الأبوكريفا كإنجيل الإبيونيين وإنجيل بطرس بدا واضحاً أن نصهم هو عبارة عن تجميع ودمج لمصادر مختلفة.

([102]( T. Wasserman: The Implications of Textual Criticism for Understanding the ‘Original  Text’, p90.

([103](Epp & Fee: Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, p175.

([104]) يراجع مقال الكاتب: “الكذب المقدس والصلاة الربانية” المنشور في مجلة الدراسات الدينية، العدد الأول، صفر 1436ه/ديسمبر 2014م، ص: 61-69.  

([105]( Baarda: ‘Factors in the Harmonization of the Gospels’ in Gospel Tradition in the Second Century, p139.

([106]( Brown: The Gospel of Peter and Canonical Gospel Priority, p336.

([107]( Baarda: Ibid, p143.

([108]( A.J.B. Higgins: Luke 1-2 in Tatian’s Diatessaron, JBL 103 (1984) p194.

([109]( J. Rendel Harris: Fragments of the Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, p11.

([110]( H. J. Vogels: Beitriige zur Geschichte des Diatessaron, p27.

([111]) فعلى سبيل المثال القراءة الموجودة غرباً بشاهد من المصادر الغربية مع قراءة مدعومة من قبل أفرام يمكن أن تعد هي قراءة تاتيان.

([112]) بمعنى أن القراءة الموجودة في المخطوطات اليونانية وغيرها من المستحيل ربطها بالدياتسرون لأنه من الصعوبة حسم كون تلك المخطوطات تأثرت بالدياتسرون أو أن الدياتسرون نفسه قد أخذ عنها.

([113]) بمعنى أن القراءة يجب أن تقتصر بشكل كبير على شواهد الدياتسرون أما الأعمال النصية التي ترتبط بعلاقات غير متكاملة مع الدياتسرون فلا يمكن اعتبار أن القراءات المميزة بها هي قراءة تاتيان.

([114]( Baarda: Early Transmission of the Words of Jesus: Thomas, Tatian, p105.

([115]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p60.

([116]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p80.

([117]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p265-268.

([118]( Petersen: Ibid, p77.

([119]( Peter M. Head: Tatian’s Christology and its Influence on the Composition of the Diatessaron, Tyndale Bulletin 43.1 (1992) p128-129.

([120]( Petersen: Ibid, p80-82.

([121]) بعيداً عن أي تفسيرات فضفاضة من نوعية اختفى من أمام أعينهم لعدم إيمانهم فإن إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن العدد59 بدا وكأنه يقدم لنا صورة مشابهة للقدرة الخارقة لخاتم فيلم (سادة الخواتيم).. حيث اختفى يسوع جسدياً من أمام أعين الغاضبين الطالبين لرجمه بالحجارة!.

([122]( T. Baarda: The Flying Jesus Luke 4:29-30 in the Syriac Diatessaron,VigChr v40 N4 (Dec. 1986), p313-341.

([123]( http://st-takla.org/Saints/Coptic-Orthodox-Saints-Biography/Coptic-Saints-Story_260.html

([124]( Baarda: Ibid, p313.

([125]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p313.

([126]( Reply to Faustus the Manichaean, Chapter 26 (2).

([127]( Baarda: Ibid, p330.

([128]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p313 n137.

([129]( Toledot Yeshu – توليدوت يشُّو

([130]) إنقسام الشهود بين كونه ناراً أو ضوءاً، ربما يعود ذلك إلى رؤية تاتيان لأهمية النور كرمز لاهوتي على النار.

([131]( Panarion 30, 13, 7.

([132]) النصوص المسيحية في العصور الأولى: القديس يوستينوس – ترجمة آمال فؤاد – ط1 ص254.

([133]) يلاحظ أن إبيفانيوس أشار بلفظه “ضوء” بينما يوستينوس ذكر لفظة “نار.”

([134]) رغم مماثلة شهادة هذا العمل للفظ “النار” باقتباس يوستينوس فإن قصة المعمودية مختلفة تماماً حيث يذكر هذا العمل أن المعمودية كانت بإصرار من مريم أم يسوع عكس إرادة يسوع نفسه!.

([135]) الكتاب السابع.

([136]( Van den Broek: A Latin Diatessaron,  NTS 21 (1974) p123.

([137]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p102.

([138]( Metzger: Early Versions, p298.

([139]( Quispel: Collected Essays of Gilles Quispel, p90.

([140]( M. D. Gibson: The commentaries of Ishodad of Merv, v1, p27.

([141]( Brock: The Bible in the Syriac tradition, p.90.

([142]) شاعر لاهوتي يُعد مع أفرام من أهم الشعراء السريان.

([143]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p.61.

([144]( E. B. Nicholson: The Gospel according to the Hebrews, p.41.

([145]) معظم دراسات العلماء تصب في خانة أن تاتيان استخدم مصدراً خامساً في تلك القراءة، لكن الفحص الدقيق لهذا الاتفاق لا يُدعم هذا الاتجاه على الإطلاق فمعلم تاتيان كان على علم بتلك القراءة فضلاً عن أن العمل المنسوب لـ(كبريانوس) لا يرتبط بأية صلة بالدياتسرون ولا تظهر عليه أية علامات للتأثر بالخط النصي للدياتسرون الأمر الذي يعني أن تلك القراءة كانت معلومة قبل إنجيل تاتيان.

([146]( R. E. Brown: The death of the Messiah: from Gethsemane to the grave, p.119.

([147]) على القارئ أن يتساءل أيضاً عن واقع هذه القصة في مجريات الأحداث فيما بعد قيامة يسوع، بفحص بسيط سيكتشف القارئ أن تلك الأحداث الخرافية لا أثر لها على الإطلاق في أي ارتباطات قصصية المذكورة بعد حادثة الصلب.

([148]) ايضاً فإن من الأسئلة الهامة التي بلا جواب: لماذا كانت القيامة فقط لبعض القديسين وليس كل القديسين؟!.

([149]( Charles Quarles: ΜΕΤΑ ΤΗΝ ΕΓΕΡΣΙΝ ΑΥΤΟΥ: A Scribal Interpolation in Matthew 27:53?, JBTC, v20 p.1.

([150]( Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist, p86-91.

([151]( Ibid, p89.

([152]) الإصحاح 15 العدد 20: ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.

([153]) بعض المخطوطات اليونانية 30. 220. 1689. ومخطوط القراءات 32 ومخطوط أثيوبي تقرأ الفقرة بشكل غريب حيث تقول: و خرجوا من القبور بعد قيامتهم ودخلوا المدينة المقدسة.

([154]( Petersen, ibid, p91.

([155]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p96.

([156]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p304.

([157]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p414-420.

([158]( Rendel Harris: The Diatessaron Of Tatian, p35.

([159]( Võõbus: Early Versions of the New Testament, p1.

([160]( Tjitze Baarda (In): The Early Text of the New Testament, p348.

([161]( Kenneth W. Clark: Theological Relevance of Textual Variation, JBL v85 n1 p6.

([162]( Heinrich Greeven: TC Mark 2005 p120-121.

([163]( D ita itd itff2 itr1.

([164]( 135811th.

([165]( Mark A. Proctor: The “Western” Text of Mark 1:41: A Case for the Angry Jesus, p80.

([166]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p60.

([167]) بالإضافة إلى المخطوطات اليونانية 71. 579.

([168]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p371.

Advertisements

التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية

 أيمن تركي 

«أي تقليد يعتبر مزيفاً حتى تثبت صحته» (Richard T. France)

يحكي لنا الفيلسوف والمؤرخ البريطاني: برتراند راسل[1] كيف أن الخرافات كانت لديها المقدرة أن تنتشر بسرعة جداً كواقع تاريخي حقيقي بين المسيحيين المؤمنين إذا توافرت لها البيئة الصالحة لنموها ورعايتها وتعين سببها، ففي كتابة (الدين والعلم) يشرح لنا كيف أن الدوافع الاقتصادية كانت تستخدم من قِبَل الكنيسة للمتاجرة بمخلفات القديسين كمصدر دخل لها، ناقلاً تقليد إيمان الناس لقرون طويلة بقدرة عظام القديسة روزاليا المحفوظة فى باليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض قبل أن يكتشف أحد علماء التشريح أن تلك العظام ما هي إلا عظام ماعز ولا تمت للبشر بصلة[2] !!

هنا فإن (حاجة) المجتمع المسيحي في فترة ما كانت هى المحرك الرئيسي لنشأة التقليد الخرافة وتناقله، الأمر الذى أدى إلى ترسيخه كحقيقة وصار له كيان في التاريخ ولم يعد من السهولة إنكاره حتى ولو اكتشفنا أن أصله كان مبنياً على كذبة، وذلك لأن الخرافة لها المقدرة على التكيف نظراً للغتها الشفوية وتناقلها من فم إلى فم لذا فقد كان لدي تلك الخرافة القدرة الكافية للتضخم من فرد إلى اثنين إلى كل المجتمع[3]، حتى صارت الخرافة (حقيقة) تنتقل من جيل إلى جيل.

في بحثنا هذا سنرى باختصار أنه لا يختلف المجتمع المسيحي عبر عصوره عن التبلور الفكري والتاريخي حسب حاجة (المجتمع)، فإذا كانت لدى الكنيسة بتلك الفترة الرغبة في هالة دينية لها بعد اقتصادي خفي فإن الكنيسة الرئيسية القديمة والكنيسة الحديثة كانت لديها نفس الاحتياجات مع اختلاف الأبعاد والأسباب.

استمر في القراءة التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية

الصلاة الربانية والكذب المقدس

أيمن تركي

 

“استعادة نص موحد ليسوع هو أمر مستحيل”

David C. Parker

يحكي لنا العهد القديم بسفر الملوك الأول الإصحاح 13 كيف أن أحد الأنبياء (كذب) على نبي آخر مثله زاعماً أن الرب قد أوحي له بأمر عكس ما كان قد أوحاه نفس الرب سابقاً للنبي المخدوع:

13: 15 فقال له (النبي الكاذب) سر معي إلى البيت وكل خبزاً

13: 16 فقال (النبي المخدوع) لا أقدر أن أرجع معك ولا أدخل معك ولا آكل خبزاً ولا أشرب معك ماءً في هذا الموضع

13: 17 لأنه قيل لي بكلام الرب لا تأكل خبزاً ولا تشرب هناك ماءً ولا ترجع سائراً في الطريق الذي ذهبت فيه

13: 18 فقال له (النبي الكاذب) أنا أيضاً نبي مثلك وقد كلمني ملاك بكلام الرب قائلا ارجع به معك إلى بيتك فيأكل خبزاً ويشرب ماءً كذب عليه

ولأن سمة الأنبياء هي الصدق فيما يخبرونه عن الوحي فلم يشك النبي (المخدوع) للحظة في كلام النبي (الكاذب)، وكانت عاقبته أن قتله الأسد نتيجة لأنه (خالف كلام الرب) بناءً على تعليمات من النبي الكاذب الذى زعم كاذباً ان الرب نفسه هو من أمره بنقل تلك التعليمات !!.

فإذا كان السؤال المستفاد من تلك القصة هو: هل أنبياء الله بالكتاب المقدس قد يكذبون فيما يقولونه عن الله ؟!

فإن إجابة نفس هذا السؤال ليست بالضرورة مقصورة فقط على أنبياء العهد القديم بل هي في الحقيقة منصوص على حقيقتها جملة وتفصيلاً وبدون خلاف –يذكر – بين العلماء على كتبة العهد الجديد أيضاً.

الصلاة الربانية

الصلاة الربانية هي تلك الكلمات التي يذكر إنجيلي (متى) و(لوقا) أن المسيح علمها بنفسه للتلاميذ عندما طلب واحد من تلاميذه ذلك (لوقا 11-1)

وفقاً لترجمة الفاندايك فإن جواب يسوع على هذا الطلب وفقاً لروايتي (متى 6/9-13) و (لوقا 11/2-4) جاء متطابقاً:

  • أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك
  • ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض
  • خبزنا كفافنا أعطنا اليوم (لوقا: خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم)
  • واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا (لوقا: واغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا)
  • ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

على أن رواية (متى) عكس (لوقا) تضيف بنهاية العدد 13 تسبيحة ختامية: (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين)[1].

للوهلة الأولى فإن القارئ سيلاحظ أن ألفاظ الصلاة متطابقة وواضحة وبالتالي لا أحد يملك أن يقولها بشكل مختلف لأن تلك الألفاظ على حد وصف البابا شنودة الثالث: ((أما الصلاة الربية ، فلا نملك أن نغيرها. لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا، باسم الجماعة.[2]))[3]

ولأن البابا شنودة ولا السائل عاصر يسوع وهو يقول تلك الكلمات ولأننا لا نملك أي مصادر أخري غير الأناجيل لألفاظ الصلاة الربانية فإنه لا ضير أن نعيد صياغة المقطع الأخير من الجملة السابقة ليكون ((لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا وفقاً لما نقله لنا متى ولوقا من قوله بأنها تنطق باسم الجماعة))

ومع الإيمان المسيحي بالوحى وشهادة العيان لـ (متى) و(لوقا)[4] وتطابق الألفاظ فإن القارئ سيحمل جزم البابا شنودة بكل ثقة.

لكن ماذا لو أن رواية وألفاظ (متى) فعلاً تختلف مع رواية وألفاظ (لوقا) ؟!

نص الصلاة الربانية

نظرياً فإن أقدم الشواهد لألفاظ الصلاة الربانية تأتينا من كتابات آباء الكنيسة حيث القرن الثاني والثالث والقديس (أوريجانوس) الذي يذكر في كتابه عن الصلاة الربانية اختلاف صيغتي الصلاة بإنجيلي (متى) و (لوقا):[5]

الصلاة وفقاً لرواية متى الصلاة وفقاً لرواية لوقا
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم

واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا

ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

الآب، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك.

خبزنا اليومي أعطنا كل يوم

وأغفر لنا ذنوبنا لأننا أيضاً نغفر لكل من يُذنب إلينا

ولا تدخلنا في تجربة.

هذا النقل من قبل القديس (أوريجانوس) للصلاة الربانية المعروفة وقتها في كنيسته يعطى لنا صورة مبسطة عن الاختلافات اللفظية لصيغة الصلاة التي علمها يسوع لتلاميذه خلال القرون الأولى. من هذا النقل أيضاً يمكننا أن نرى أن تسبيحة (متى) بنهاية العدد 13 لم تكن معروفة سواء بإنجيل (متى) أو بإنجيل (لوقا) في ذلك الوقت، كذلك فإن رواية (لوقا) تظهر وبشكل ملحوظ أنها أقصر من رواية (متى)، ففي الوقت الذي يفتتح فيه (متى) الصلاة بـ(أبانا) فإن (لوقا) يقرأها فقط (الآب) مع حذفه لـ(الذي في السماوات)، كذلك فإن رواية (لوقا) لا تتضمن طلب (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) ، أيضاً فإن (لوقا) يقرأ (كل يوم) خلافاً لـ(متى) الذى يقول (اليوم)، وأخيراً فإن الصلاة الربانية بـ(لوقا) لا تتضمن (لكن نجنا من الشرير) و بالطبع كما أشرنا مسبقاً لا تتضمن التسبيحة (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين).

أما من الناحية العملية فإنه ينضم إلى شهادة (أوريجانوس) النظرية شهادة أقدم برديات العهد الجديد ألا وهي البردية بودمير 75 والتي يعود بها العلماء بشكل عام إلى ما بين العامين 175م- 225م، تلك البردية والمكتشفة عام 1952 تقدم أقدم صيغة معروفة للصلاة الربانية بالقرن الثاني والثالث بالإضافة للعديد من المخطوطات اليونانية والترجمات المختلفة والآباء الذين يدعمون تلك الرواية، والتي يمكننا بسطها للقارئ من خلال الجدول التالي:[6]

صيغة الصلاة الربانية برواية (لوقا) وفقاً للمخطوطات:
قراءه (الآب) بدلاً من (أبانا) Greek: P75 01 Β 1 22 57 130 372 700 1192* 1210 1342 1582 Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (الذي في السماوات) Greek: P75 01 Β L 1 22 57 130 372 443* 700 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) Greek: P75 Β L 1 22 130 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(g1 30 Vg) Sy(S C Diatessaron) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

قراءة (كل يوم) بدلاً من (اليوم) كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) تقرأ (كل يوم) عدا المخطوطات التالية تقرأ (اليوم):Greek: D 2 27 28 71 472 1009 1071 1195* 1242* 1458 2542 2713 L1761

Version: Lat(a aur  b c e d f ff2 g1 i l r1 Vgmss) Sy(Htxt) Cob(b2mss) Aeth

Father: Aug Hil

حذف (لكن نجنا من الشرير) Greek: P75 01*-2 Β L 1 22 57 130 131 226* 237 242 426 372 700 1192*          1210 1342 1582 2193

Version: Lat(g1 Vg) Sy(S) Cob(sa bmss) Arm Geo

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

حذف (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين). كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) بلا إستثناء

نظراً لأن الطابع الأغلب لدى النساخ- بشكل عام[7]– وبهذه الحالة- بشكل خاص- هو إحداث التوازن والتناغم بين نصوص الأناجيل المختلفة أو ما يعرفه علماء النقد النصي باسم ((Harmonization، حتى أن العالم (جوردون في) يعترف بأنه لا يوجد أي مخطوط أو تقليد مخطوطي خالي من إحداث تلك التوازنات[8]، فإن قرار علماء النقد النصي كان مبنياً على أن قراءة (الفاندايك) والموجودة بأغلب المخطوطات اليونانية وغير اليونانية هي (تحريف أو فساد) تم بداعي إحداث توازن بين الصيغتين بإنجيلي (متى) و(لوقا)، أقر بذلك (بروس متزجر)[9] و(كورت ألاند)[10] و(فيليب كمفورت)[11] و(إيرمان بارت)[12] و(كليتون هاروب)[13] و(وليام وارين)[14] و(تشارلز وليام)[15] و(هارولد جرينلى)[16] و(ويلاند ويلكر)[17] و(واين كاندي)[18] و(فريدريك وايز)[19] و(ديفيد باركر)[20] و(اندرو بندسترا[21]( و(فينست تايلور)[22] و(روجر أومانسون)[23] والكثير والكثير غيرهم.

ولهذا فلا غرابة أن نجد أن الأغلبية الساحقة من الترجمات المختلفة والنسخ اليونانية النقدية تقرأ الصلاة الربانية بإنجيل (لوقا) بالصيغة القصيرة.

فمن الترجمات الإنجليزية: RSV. NRSV. ESV. NASB. NIV. TNIV. NEB. REB. NJB. NAB. NLT. HCSB. TEV. NET.

ومن الترجمات العربية: اليسوعية والمشتركة والبولسية والآباء الدومنيكان وبين قوسين بترجمة الحياة

ومن النسخ اليونانية النقدية: (جريسباخ) و(تريجليز) و(تشندورف) و(الفورد) و(ويستكوت وهورت) و(نستل ألاند) و(UBS) و(تاسكر) و(ألكسندر سوتير) و(جوزيف بوفر) و(فون سودن) و(هاينريك جوزيف فوجليز) و(أوغسطينوس ميرك) و(ماري جوزيف لاجرانج) و(برنارد وايس) و(هاينريك جريفين) و(مايكل هولمز) و(جورج كيلباتريك) وغيرهم. الأمر الذي لم يجد معه العالم الإنجليزي (ديفيد باركر) سوى التأكيد على أنه: ((اليوم فإن الجميع -عدا داعمي نص الأغلبية- يوافقون على أن القراءة الأقصر بـ (لوقا) هي الأفضل))[24]

وحي أم كذب

خلال القرون الأولى للفكر المسيحي فإن مفهوم الوحي لم يكن متبلوراً بالشكل الذي نعرفه الآن[25]، فمرجعية الوحي كانت تطلق على كل رأي أو فكرة يمكن أن تفيد في إيمان الكنيسة، فمثلاً نجد أن القديس اكليمنضس الروماني (القرن الأول) يعتبر نصيحته مدعومة من الروح القدس نظراً لأنها حازت على القبول والتطبيق من قبل سامعيها، فيقول في رسالته الأولي إلي كورنثوس 63/2 ما نصه: ((إنكم تبعثون فينا الفرح والسعادة، إذا أطعتم نصيحتنا التي نكتبها لكم بالروح القدس))[26]، الأمر ذاته نجده عند القديس أغناطيوس الأنطاكي (القرن الأول) في رسالته إلي فيلادلفيا :((فأنى أشهد لله أن اللحم لم يكشف لي ذلك، أن الروح يقول لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف واحتفظوا بأجسادكم كهياكل الله))[27]، لكن الأمر لم يكن متوقفاً على الآباء الرسل فقط بل أنه يمكن أن نجد آثاره أيضاً عند نساخ الكتاب المقدس أنفسهم، فيقول العالم (كورت ألاند) واصفاً فكر النساخ المسيحيين في القرون الأولى قائلاً: ((حتى بالنسبة للنساخ المتأخرين، فعلى سبيل المثال الفقرات الإزائية بالأناجيل كانت مألوفة لديهم فعمدوا إلى تكييف كل نص مع الآخر. كذلك فإنهم رأوا أنفسهم أحراراً في عمل تصحيحات بالنص، تحسينه من خلال معايير خاصة للتصحيح، سواء نحوية أو أسلوبية أو بشكل أكثر جوهرية. كل هذا كان حقيقة أيضاً خلال الفترة المبكرة، عندما لم يكن النص يتمتع بالشكل القانوني، خصوصاً وأن تلك الفترة الأكثر قدماً كان المسيحيون يعدون أنفسهم ممتلئين بالروح القدس))[28]، ورغم اختلافه مع نتيجة ذلك إلا أن العالم (آرثر باتزيا) يقر بنفس الحقيقة قائلاً: ((يجب علينا أن ندرك أن نص العهد الجديد كان (نصاً حياً) في عملية تطوير حرة، خصوصاً خلال القرنين الأول والثاني))[29]، إن هذه الفوضى من الوحي المقدس (الكاذب) خلال القرون الأولى لانتقال العهد الجديد تجعلنا نتساءل بشكل جدي عن حقيقة الوحي لدى كتبة الأناجيل أنفسهم !! فمع أخذ عمل (تاتيان) والمسمى (الدياطسرون) في الاعتبار والذي حاول فيه إخراج الإنجيل برواية واحدة فإن التاريخ المسيحي لا يخبرنا الكثير عن تعامل آباء القرن الأول والثاني مع اختلافات الروايات الإزائية بالأناجيل المختلفة اللهم إلا في شهادة لـ (أوريجانوس) القائلة:

((أنا لا ألومهم إذا كانوا في بعض الأحيان تعاملوا بحرية مع أشياء هي في نظر التاريخ حدثت بشكل مختلف، وقاموا بتغييرها لتأييد أهداف باطنة في رؤيتهم، كما لو كانوا يتكلمون عن شيء حصل في مكان ما وكأنه حصل في مكان آخر، وعن أمر حدث في زمن ما وكما لو أنه حدث في وقت آخر، ويدخلون بعض التغيرات من أنفسهم بطريقة ما فيما قيل فعلاً. كان قصدهم قول الحقيقة حيثما كان هذا ممكناً بشكل مادي وروحي، وفي حال استحالة ذلك كانوا يفضلون قول الوجه الروحي عن المادي. الحقيقة الروحية كانت غالباً تنقل بما يمكن للمرء أن يسميه الكذب المادي))[30]، تلك الشهادة الصادمة يجب أن نفهم واقعها بنفس واقع فهم النساخ للنص المنحدر من قبل هؤلاء الإنجيليين، أو كما يقول العالم (هولمت كوستر):

((حتى وعندما صارت المادة بشأن يسوع متاحة في الشكل النصي فإنهم كانوا أحراراً في التعديل والتغيير وفقاً للاحتياجات الحالية))[31]، ما يجب أن نفهمه إذاً أنه خلال تلك الحقبة الزمنية من عملية الانتقال النصي للعهد الجديد: هو أن أقوال يسوع مرت بعدة مراحل من الـ(الإفساد) المركب خلال عبورها من مرحلة الانتقال الشفهي وحتى تقنينها لتكون مكتوبة فكل القصص والأقوال عن يسوع: ((سردت واعيد سردها العديد من المرات قبل ان تصل مرقس أو أي من الإنجيلين من خلال المبشرين والمعلمين والمعوذين وصانعي المعجزات كل فرد من هؤلاء قد ترك علامة في قالب التقليد))[32]، فإذا كان من المعلوم لدي علماء المسيحية كافة قيام النساخ بعمليات (تحريف) من حذف وإضافة وتغيير لتلك الأقوال فإن كتبة العهد الجديد أنفسهم قد قاموا بنفس العمليات في مرحلة استخدامهم للمصادر الشفهية والمكتوبة عن يسوع، يمكننا تبسيط تلك الفترة بالشكل التالي:

فمع إقرار معظم علماء المسيحية أن (مرقس) كان مصدراً من مصادر الإنجيل لدى كلاً من (متى) و (لوقا)[33]، فإنه يجب علينا أن نتخيل قول العالم (ماثيو واليامز): ((على الرغم من اختلاف وسائل النساخ وكتبة الأناجيل، فإنه من المفترض هنا أن العديد من أنواع التغييرات التي تمت من قبل النساخ ربما تمت أيضاً من قبل (متى) إذا كان قد استخدم (مرقس) كمصدر عندما كان يؤلف إنجيله، أو من قبل (مرقس) لو كان استخدام نص (متي) كمصدر.))[34]، كذلك قيامهما: ((متي ولوقا سمحا لأنفسهما بحرية كبيرة في تعديل ملاحظات مرقس الزمنية والمكانية المتصلة بالقصص معاً))[35]، أو كما يقول العالم: (تشارلز وليام): ((تماماً كما قام (متى) و(لوقا) بتنقيح يونانية (مرقس) من خلال تلطيف الكلمات الخشنة أو الكلمات والمقاطع غير المألوفة، كذلك فإن النساخ عملوا في الأناجيل نفس الشيء)) [36]، وهو الأمر الذى شدد على خطورته العالم (جودون في) عندما نبه على أنه: ((يجب أن يكون المرء حذراً في عدم الافتراض التلقائي لما فعله الكتبة والنساخ))، نظراً لأن الكتبة -يقصد الإنجيليين- : ((في أغلب المواضع،.. يميلون إلى إعادة كتابة (مصادرهم) بدرجة متفاوتة من الدقة))[37]، في حين أن الميل الأعظم للنساخ هو: ((جعل الفقرات متناسقة من بعضها))[38]، وذلك لأن عمل الكتبة قد اكتسب الصيغة القانونية والروحية بالكنيسة في حين أن مرحلة عمل النساخ بعد هذا التقنين لعمل الكتبة هو التغلب على معوقات فهم البعض للفظ (الوحي) في ضوء الاختلاف الواقع بتلك الصيغ القانونية من خلال (التنسيق) بين فقراتها.[39]

فإذا كانت الصلاة الربانية بألفاظها الحقيقية أو حتى (المحرفة) جزءاً من التقليد الشفهي أو التقليد المكتوب في مصادر ضائعة (Q)[40]، ومع رفض أغلب العلماء لنظرية المواقف المختلفة[41]، فإن تفسير رواية (لوقا) القصيرة يعد أمراً صعباً للغاية[42]، لأنه بإثبات اختلاف صيغة (لوقا) عن صيغة (متى) كما بينا من قبل، فإن هذا يعنى أن أحدهما قد أعاد كتابة صيغة الصلاة التي بين يديه أو أن هذا الأمر قد تم من قبل (كليهما) وذلك لأغراض وأهداف معينه[43]، ومن ثم بعدما أخذت الكتابات الإنجيلية مكانتها بالقرن الثاني بدء النساخ في عملية (التنسيق) بين تلك الصيغ المختلفة ظهرت حينها صيغة (لوقا) الطويلة لتتناسب مع صيغة (متى) وذلك لحل مشكلة الاختلاف بينهما، بل وفى بعض المواضع بـ (لوقا) تمت عملية (التنسيق) مع الصيغة المستخدمة شفهياً عند البعض كما هو الحال في إضافة قراءة (ليحل الروح القدس علينا ويطهرنا) ببعض المخطوطات والآباء[44]، أو حتى بإضافة صيغة التعميد بنهاية صيغة (متى).[45]

الخلاصة

مما سبق نستنتج أنه إذا كان واقع الإنجيليين في التعامل مع مصادرهم هو كما يقول يقول العالم (دانيال والاس):

((الحقيقة أن الإنجيلين ليسوا كالنساخ. كل واحد فيهم لديه شيئاً من منظروه الخاص يساهم به في القصة وبالتأكيد لم يعدوا أنفسهم كنساخ لإنجيل (مرقس). (متى) له أسلوبه في الكتابة بالإضافة إلى دوافع معينة، والتي تختلف عن التي لدي (لوقا). كل إنجيلي يُظهر نمطاً واضحاً في تقديمهم للأناجيل.))[46]

فإنه لن يكون صادماً للبعض التفكير في كل المواضع الأخرى التي قام الإنجيليين بإدخال فكرهم وأسلوبهم في كلمات يسوع نفسها:

فعلى سبيل المثال عندما علم يسوع بوجود أمه وإخوته ماذا كان رده:

هل قال وفقاً لرواية (مرقس): لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي

أم أنه قال وفقاً لرواية (متي): لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي

أم أنه أجاب بشكل أبسط وفقاً لراوية (لوقا): أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها

وبالمثل ماذا كانت رؤية (بطرس) حرفياً ليسوع:

هل هي كما قال (مرقس): أنت المسيح

أم أن الأمر كان أكثر توسعاً كما هو في رواية (متى): أنت هو المسيح ابن الله الحي

أم أن الوصف ببساطة كما هي عادة (لوقا): مسيح الله

لماذا كان كل هذا الاهتمام لدى الإنجيليين بتعديل كلمات أصحاب القصص بأناجيلهم ؟!، للحد الذي جعل الكثير من العلماء يقرون بأنه: ((عندما قام كتبة العهد الجديد باستخدام أقوال يسوع لم تكن هناك حاجه الى كلمات يسوع حرفياً، بدون شك كلمات يسوع الحرفية موجودة بالعهد الجديد لكنها ليست بالضرورة في كل المواضع))[47]، مشددين على أنه: ((لا توجد جملة واحدة يمكننا ان نؤكد انها تتضمن كلمات يسوع الحرفية …))[48]، وذلك لأنه: ((الاختلافات في سرد نفس الأقوال بالأناجيل المختلفة تكفي بمفردها لتأكيد ذلك))[49]، بل أن بعضهم أقر بأن من يطلب الحرفية في تلك الروايات يضع عصمة الأناجيل نفسها على المحك نظراً لأنهم يطالبون بدقة تفصيلية أكثر مما يمكن للإنجيليين أنفسهم ان يعطوها !![50]، الأمر إذاً قد لا يكون بتلك البساطة فإذا كنا في الأمثلة السابقة رأينا القصة من منظور ثلاثي فإنه ببعض المواضع قد يكون الأمر من منظور ثنائي فقط -فبالإضافة إلى مثالنا عن الصلاة الربانية- فإنه يمكننا أن نتساءل أيضاً عن كلمات يسوع، هل هي كما قال (متى):

10: 32 فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السماوات

10: 33 ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات

أم أن ما نطق به يسوع هو كما قال (لوقا):

12: 8 وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله

12: 9 ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله

كذلك فإنه علينا ان نتدبر جيداً في وصف يسوع لإيمان تلاميذه عندما خافوا من الهلاك هل هو وفقاً لرواية (متي):

8: 26 فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟

أم انه وصفهم كما نقل عنه (مرقس): 4: 40 وقال لهم: ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم

وبشكل أكثر تعقيداً فإنه ينبغي علينا أن نفتح مجال إدراكنا لصورة أكبر وأكثر عمقاً وتعقيداً، وأعني هنا مع استدعاء فكر الوحي (الزائف) وهاجس المسيحيين الأوائل- بما فيهم الإنجيليين أنفسهم- بالإضافة والحذف والتعديل في أقوال يسوع وفقاً لحاجتهم الاجتماعية او اللاهوتية، النظر كذلك إلى الأقوال ذات المنظور الواحد، لنتساءل هل قالها يسوع حرفياً أم أن الإنجيلي كعادته وكما فعل في معظم الأماكن قام بتعديل كلماته وربما أضاف عليها او حذف منها ؟![51]، وبالتالي فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة النص الأصلي فحسب ولكنها مرحلة توثيق ما قبل هذا النص المكتوب الذى يمكننا الوصول إليه أم كما يقول العالم (إيرمان بارت): ((حتى لو استطاع العلماء النجاح في إعادة تكوين العهد الجديد، فإن هذا في حد ذاته ليس شهادة لحقيقة رسالته))[52]، الأمر إذاً ليس نوعاً من أقوال المشككين السفسطائية كما يزعم العالم (والاس)[53]، لكنه أمر نابع من نظريات عملية لعلماء مسيحيين والذين يقرون بحقيقة أن: ((كتبه الإنجيل لا يقدمون معلومات عن تعاليم يسوع التاريخي وإنما يوفرون معلومات مباشرة عن لاهوت الكنيسة الأولي))[54]!!، الأمر الذي سيبدو صادماً لمحبي البابا شنودة عندما يقرءون ما نقله العالم (أندرو بندسترا) عن أن معظم علماء المسيحية يقرون اليوم بأننا:

((نمتلك صوت (أو إحساس) يسوع في الصلاة الربانية لكنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل استعادة كلمات يسوع حرفياً)) [55]

[مقال منشور في العدد الاول من مجلة الدراسات الدينية، ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ]


[1] الأغلبية العظمي من علماء النقد النصي لا يقرون بصحة تلك التسبيحة (يراجع تعليقات متزجر النصية ص13-14)

[2] جاء هذا كرداً على سؤال من أحدهم للبابا حول إمكانية ان يقرأ صيغة الصلاة الربانية بصفة المفرد كأن يقول مثلاً (أبي الذى في السموات) بدلاً من (أبانا الذى ….).

[3] سنوات مع أسئلة الناس ج 8 ص88

[4] وذلك عند من يؤمن بأنه من الرسل السبعين وأنه شاهد يسوع وعاصر أقواله وأفعاله

[5] Origen, On Prayer 18.2

[6] يراجع: IGNTP Projects (Luke) & Swanson Projects (Luke & Matthew) & NA27-28 & UBS4th & Souter 1947 & Huck-Greeven13th

[7] The Implications of Textual Criticism for Understanding the ‘Original  Text’, Tommy Wasserman, p90

[8] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[9] The Text of The New Testament 4th, Bruce M. Metzger , p262

[10] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p309

[11] New Testament Text & Translation Commentary, Philip W. Comfort, p203

[12] Misquoting Jesus, Bart D. Ehrman, p97

[13] History of The New Testament in Plain Language, Clayton Harrop, p59

[14] The Reliability of The New Testament, Robert B. Stewart, p118

[15] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p2

[16] A Student’s Guide to New Testament Textual Criticism, Harold Greenlee, p75

[17] A Textual Commentary on The Greek Gospels (Luke), Wieland Willker, p301-305

[18] Apologetic Discourse and the Scribal Tradition, Wayne C. Kannaday, p212

[19] The Gospel Traditions in The Second Century, William L. Petersen, p48-49

[20] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p49-74

[21] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p15-37

[22] The Text of the New Testament – A short Intriduction, Vincent Taylor, p64

[23] A Textual Guide to the Greek New Testament, Roger L. Omanson, p130-131,

[24] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p53

[25] يراجع مقال الكاتب: النقد النصي وأثره في تعريف الوحي والعصمة –الجريدة النقدية– العدد الأول ص59-80

[26] لعل هذا ما جعل اكليمنضس السكندري يعدها من الكتاب المقدس!!! (Strom iv.17)

[27] رسالة فيلادلفيا الفصل السابع الفقرات 2،1

[28] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p69

[29] The making of the New Testament, Patzia, A. G., p135

[30] Origen, Commentary on John, 10:4

JBL v.113 N.2 p295 [31]  Written Gospels or Oral Tradition?, Helmut Koester,

[32] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p48

[33] لمزيد من الاستفاضة يراجع:

تكوين الأناجيل – الأب سيداروس اليسوعي – دار المشرق بيروت ص33

The Bible Knowledge Background Commentary, Craig A. Evans ,p18

[34] Two Gospels from One, Matthew C. Williams, p44

[35] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p47

[36] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p3

[37] كلمة (مصادرهم) مضافة لتوضيح السياق

[38] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[39] What is The Best New Testament?, Ernest C. Colwell, p56

[40] Luke, Craig A. Evans, p476 – Matthew, Davies and Allison 1988, p591

[41] النظرية الاعتذارية والمقدمة من قبل (أوريجانوس) والتي تنص على ان يسوع علم الصلاة في مناسبتين مختلفتين وبالتالي فإن كل إنجيلي نقل كلمات كل مناسبة، تلك النظرية مرفوضة من قبل أغلب العلماء حتى ان العالم (رايموند براون) اعتبرها نظرية غير جديرة بالاهتمام وتمثل حلاً مستحيلاً لعلاقة الأناجيل الإزائية فضلاً عن أن تطبيقها يعنى ان التلاميذ قد نسوا تعاليم الصلاة ومن ثم طلبوا تعلمها مرة أخري !! ( The Pater Noster as an Eschatological Prayer, R.E.Brown,p220-n5 )

[42] Luke, Darrel L. Bock, p1045

[43] كثيرون من العلماء يرون ان (لوقا) صيغته أفضل وأقرب للأصل (المصدر الذى ينقل عنه) نظراً لأنه من الصعب تخيل إقدام (لوقا) على حذف أجزاء من الصلاة الربانية بدون أسباب واضحة إذا كانت موجودة أصلاً أمامه، في حين يرى البعض منهم ان صيغة (متى) أفضل لأن (لوقا) من عادته اختصار مصادره، خلافاً لذلك فإن هناك نظرية مغايرة تماماً تقول ان هذا الاختلاف كان في مصدرهما أصلاً وليس من فعل الإنجيلين أنفسهم !! (يراجع New Testament Theology, J. Jeremias, 1971, p195)

[44] من المخطوطات اليونانية: 700, 162 ومن آباء الكنيسة: القديس غريغوريوس النيسى والقديس مكسيموس المعترف والعلامة ترتليان (او ماركيون)

[45] من المخطوطات اليونانية: 2730, 2715, 2693s, 2452*, 1348, 1253, 1228, 1060, 1050, 931, 740, 513, 418, 310, 225

[46] Revisiting The Corruption of The New Testament, Daniel B. Wallace, p50

[47] The Meaning of Inerrancy, Paul Feinberg, p301

[48] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p462

[49] Ibid , p463

[50] Historical Criticism and the Evangelical, Grant R. Osborne, JETS42, p203

[51] واحد من أشهر الأمثلة هو نص التثليث الشهير (متى) 28: 19 والذى يستخدمه البعض في إثبات وحدة الثالوث!! هل قاله يسوع حقاً حرفياً أم أن (متى) عدل في كلمات المصدر الذي بين يديه لأهداف معينة؟! (Derickson, TMSJ14 2003, p94) أم ان يسوع لم يقل ذلك أصلاً وإنما قام الإنجيلي بتركيب الصيغة برمتها !! (Petersen, TC List, Jan 2003). ولماذا تلك الصيغة مختفية تماماً في نص (مرقس) الموازي (الذى يعتبره العلماء زائفاً) والذي يقول ان تعبير يسوع لفظه هو: (اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها)، كذلك إذا كانت تلك الكلمات الهامة قد نقلت حرفياً عند (متي) فلماذا لم ينقلها (لوقا) او (يوحنا)!! يمكننا أيضاً القياس على ذلك قول إنجيل يوحنا (10: 30) على لسان يسوع: (أنا والآب واحد)، متسائلين هل قالها يسوع حرفياً ام ان الإنجيلي نقل ما فهمه البعض من ان يسوع قد قاله ؟!!!

[52] A Historical Introduction to The Early Christian Writings, Bart D. Ehrman, p489

[53] The Case for The Real Jesus, Lee Strobel, p73

[54] What is Redaction Criticism?, N. Perrin, p69

[55] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p31