الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين

ياسين اليحياوي 

 

1.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند أوغسطين

يُعتبر «أوغسطين» (354-430م) أول من استخدم مُصطلح “الخطيئة الأصلية”[1] مُقدّماً تفسيراً مُتكاملاً لجوانبها العقدية، من خلال الاعتماد على رسائل بولس[2]. ورغم وجود مجموعة من التفسيرات المسيحية في بدايات القرون الأولى، كما هو الشأن بالنسبة لـ”إيريناوس” (130-200م) أسقف ليون[3]، إلا أن القبول وأخذ الشرعية من طرف الكنيسة كانا من نصيب «أوغسطين».

اعتمد «أوغسطين» كركيزة في تبني هذه العقيدة، على ما كتبه بولس في رسالته إلى أهل رومية[4]، وتحديداً نص الإصحاح الخامس:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

ويظهر هذا المفهوم في كتابات «أوغسطين» عند مُحاولته تفسير عدل الله مع وجود الشر في العالم، فقد أدت مُجادلاته ونزاعه مع التيار الغنوصي إلى رفض منه لأي تفسير للإصحاح الثالث من سفر التكوين يزعم أن الشر أتى من العالم المادي[5]، وسبب هذا الرفض يكمن بالأساس في تحول «أوغسطين» من مذهب المانوية «Manichéisme»[6] إلى الدين المسيحي[7]. فالمذهب المانوي يؤمن بأزلية الخير والشر كأصلين للوجود، وهو ما يصطدم مع كمال الله، مما دفع بـ«أوغسطين» إلى الاعتراض على القول بأزلية الشر، والاعتراض على أن يكون أصله من العالم[8]، ولم يجد لوجود الشر تفسيراً إلا القول بدخوله إلى العالم بسبب خطيئة آدم، فقد اعتقد بأن الخَلْق أمر جيد، أما الشر فهو نتيجة لما فعله آدم بسبب حُريته[9]. فاضطر بالتالي إلى تبني عقيدة الخطيئة الأصلية لإزالة التعارض الذي تصوره بين عدل الله ووجود الشر.

في مُحاولته للتأصيل لهذا المُعتقد وتفسيره تفسيراً وافياً صاغ «أوغسطين» مجموعة من المقدمات، أُجملها في النقاط التالية:

  • التهويل من خطيئة آدم، كبداية للتمهيد إلى العقوبة القاسية التي ألحقت به وبذريته، وهو ما جعل «أوغسطين» يعتبرها أصل كل الشرور، إذ يقول: “خطيئة آدم كانت كبراً، لأنه اختار أن يعيش محكوماً بسلطته بدل أن يعيش تحت سلطة الحكم الإلهي، وكانت كفراً لأنه لم يؤمن بالله، وكانت قتلاً، لأنها تسبّبت في دخول الموت إليه، وكانت زنىً معنوياً، لأن روح آدم النقية قد أنصتت للتملق المُغري للحية، وكانت سرقة، لأنه مس الطعام الذي مُنع من تناوله، وكانت طمعاً، لأنه طمع في أكثر مما كان يكفيه، مهما أمعنا في حقيقة أي خطيئة فسنجد لها حضوراً في الخطيئة الأولى”[10].
  • ترتب عن الخطيئة أثران أولهما الموتالدائم، وثانيهما سُلب من الإنسانالإرادة على إتيان الخير وصار حُراً في إتيان الشر[11]، يقول «أوغسطين» في هذا الصدد: “فلا يحظى بالحرية نحو عمل المعروف، حتى يتحرر من المُنكر”[12]، فبعد أن ورثت ذُرية آدم الخطيئة الأصلية، حُرموا أيضاً الحرية في إتيان الخير حرمان أبويهما، “فتلوث هذا الإنسان بالذنب، حتى أثقل بالإضافة إلى الخطيئة الأصلية بحمل خطايا أخرى أتاها بنفسه بفعل الخطيئة الأصلية”[13].
  • جميع ذرية آدم تلوثت بالخطيئة الأصلية، ويشرح «أوغسطين» هذا الانتقال بشهوة الجسد[14]، فبالنسبة إليه كل مولود هو حامل للخطيئة الأصلية لأنه نتج عن لقاء جنسي[15]، وهو ما شرحه «أوغسطين» قائلاً: “جميع البشر، الذين ولدوا من آدم وامرأته التي أوقعته في الخطيئة، والتي شاركته في نيل العقاب، جميعهم تلوثوا بالخطيئة الأصلية”[16]، ويقول أيضاً: “جميع الناس الذين وُلدوا من آدم مُذنبون”[17].
  • إشكالية العدل والرحمة كان لها أثر كبير في بلورة عقيدة الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين، فلا يُمكن للإله أن يرحم بني آدم لأنه عادل ولا يغير قوانينه المُحكمة، وقد سبق أن قدّر عقوبة الموتعلى الخطيئة الأصلية، فلو غفر الإلهبدون أن يوقع العقوبة لكان ذلك متنافياً مع عدله. ومع اتصاف الإله بالعدل فهو أيضاً يتصف بالرحمة، فاتخذ حيلة تتم بها رحمته ولا تتنافى مع عدله، بأن يتحمل ذنوب جميع البشر شخص معصوم من الخطيئة الأصلية، يُعاقب بالموت ثُم يُبعث، لتكون العقوبة كفّارة عن الجميع، فاختار الإله “ابنه” ليُخلص البشر ويُكفر عنهم خطيئتهم الأصلية، يقول «أوغسطين» في ذلك: “محبة الله لا تُطفئ نار المعصية، ومحبته تأتي عن طريق يسوع المسيح الذي هو وسيط وشفيع بين الله والإنسان، والذي أفنى نفسه ليمنحنا الحياة الأبدية”[18].
  • لا ينال الخلاصمن الخطيئة الأصليةإلا الذين يؤمنون بالمسيح، وعلامة هذا الإيمان تتجلى في أداء طقس المعمودية، والذي يتعمد تُغفر خطيئته الأصلية ويُمنح حرية الإرادة من جديد[19]، وتُغفر كل خطاياه السالفة قبل التعميد[20]، ليستقبل حياته، فإن أخطأ عُوقِب على أخطائه يوم الحساب[21]، ودعا «أوغسطين» إلى تعميد الأطفال منذ ولادتهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فلن يتمتع برؤية ملكوت الإله[22].

وبهذه المقدمات يضع أوغسطين أسس عقيدة الخطيئة الأصلية وأساس الإيمان المسيحي، لتسير الكنيسة بعد ذلك خلف آرائه وتفسيراته، وسيتم الاقتصار على تمثلات كل من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت لعقيدة الخطيئة الأصلية كما أصَّل لها أوغسطين.

2.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند الفرق المسيحية

2.1. عند الكاثوليك

وضعتْ الكنيسة الكاثوليكية مذهبها في الخطيئة الأصلية وفقاً لما أقره «أوغسطين». فقد جاء في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: “فَقَدَ آدم القداسة والعدالة التي مُنحتْ له من الله بسبب خطيئته، وشمل ذلك جميع ذريته، فبالخطيئة الأولى نقل آدم وحواء الطبيعة الآثمة إلى ذريتهما، فحُرم نسلهم أيضاً من القداسة والعدالة، ويُسمى هذا الحرمان الخطيئة الأصلية”[23]. وفي النتائج المُترتبة على الخطيئة يقول الكتاب: “ونتيجة للخطيئة الأصلية ضَعُفت الطبيعة البشرية، وصارت رهينة للجهل والمُعاناة وهيمنة الموت والميل إلى الخطيئة، التي تنتقل عن طريق الشهوة”[24].

ويعتقد الكاثوليك أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب[25]، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وهو نفس ما ذهب إليه «أوغسطين»، فمُهمة المسيح هي تخليص الإنسان من ثقل الخطيئة الأصلية فقط، فإذا ما أتى الإنسان ذنباً بعد التعميد ناله العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، قد يصل إلى استحقاق العذاب الدائم إذا أتى بذنب يُخرج من الإيمان[26]. أما إن كان الذنب صغيراً، يدخل مُقترفه لوقت محدد في ذلك الجزء من جهنم الذي أُعِدَّ لتطهير المؤمنين من الذنوب ويُسمُّونه بالمُطهر (Purgatory) ، وبعد تطهرهم يدخلون الجنة[27]. جاء في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في حديثها عن المُطهر: “المُطهر هو حالة أولئك الذين يموتون في النعمة، ولكن لم يتم التأكد من خلاصهم الأبدي، إذ لا يزالون في حاجة إلى تطهير من أجل الحصول على نعيم الجنة”[28]، وفي الموسوعة الكاثوليكية الجديدة: “المُطهر وِفقاً لتعليم الكنيسة هو حالة أو مكان في العالم الآخر يستمر إلى يوم القيامة، توجد فيه أرواح أولئك الذين يموتون في حالة نعمة، ولكن لا يخلون من العيب والنقص (…) فيتم تنقيتها قبل الدخول للجنة”[29]، ودليلهم في تقرير هذا المُعتقد ما جاء في إنجيل مرقص:

“لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ وَكُلَّ ذَبِيحَةٍ تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ” [مرقص 9: 49]

أما فيما يخص الأطفال، تذهب الكنيسة إلى ضرورة تعميدهم، حتى ولو لم يرتكبوا خطيئة شخصية[30]، فهم بموجب توارث الذنب، يحملون خطيئة أبيهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فإنه لن يتمتع برؤية ملكوت الرب[31]، وتراجعت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الماضية عن موقفها تُجاه من مات من الأطفال ولم يُعمد، وأرجأت أمرهم إلى رحمة الله، فقد ذكر رأس الكنيسة الكاثوليكية «بندكت السادس عشر» حال الأطفال الذين ماتوا من غير تعميد: “أما بالنسبة للأطفال الذي ماتوا من غير تعميد، فإن الكنيسة في طقسها الديني تعهد بهم إلى رحمة الله”[32]. أما مُهمة المسيح فتكمن في تخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأصلية، ولا ينجو أحد بما في ذلك الأطفال، من عقاب الخطيئة الأصلية إلا بالتعميد.

2.2. عند الأرثوذكس

لا تختلف الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية  في تعريفها لعقيدة الخطيئة الأصلية عن الكنيسة الغربية الكاثوليكية إلا في بعض النقاط البسيطة، التي لا تؤثر على لازم العقيدة. ففيما تذهب الكنيسة الكاثوليكية إلى أن كل الجنس البشري مسؤول عن الخطيئة الأصلية، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تقصر المسؤولية على آدم وحواء فقط، وعوض القول بأن كل البشرية تتحمل خطيئة آدم كما بيناه عند «أوغسطين»، فإن الأرثوذكس يذهبون إلى أن الإنسان لا يولد مذنباً. ويبقى ما ورثه الإنسان من خطأ آدم وحواء: فقدان القداسة[33] ودخول الموت إلى طبيعته[34]، عُمدتُهم في ذلك ما ذكره بولس في رسالته الأولى لكورنثوس إذ قال:

“فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

وهكذا بدأ التحضير لتجسد ابن الإله -المسيح-[35] من أجل تصحيح الخطأ وتدمير عدو الإله وعدو الإنسان كما جاء في تتمة رسالة بولس:

“آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

يوضح العالم الأرثوذكسي  «Meyendorff»العلاقة بين آدم والمسيح، بأنها لا ترتبط فقط بالخطيئة التي أتى بها آدم والمغفرة التي جاء بها المسيح، وإنما بالموت والحياة/ فحيث أن الموت دخل للبشر عن طريق آدم، فإن الحياة تُمنح لهم عن طريق المسيح[36]، كما جاء في الترنيمة الأرثوذكسية الشهيرة: “المسيح قام من الموت، وطئ الموت بالموت، والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة”[37]، وكما يقول الأسقف الأرثوذكسي «Lossky»: “بنزوله إلى الجحيم وبقيامته، دمر الموت، الذي هو أجرة الخطيئة”[38].

وفيما يخص التعميد، تذهب الكنيسة الشرقية إلى أن الطقس بالنسبة للراشدين يُزيل كل الخطايا قبله[39]، واختلفت مع الكنيسة الكاثوليكية في معمودية الأطفال، إذ تعتقد أنهم يولدون بدون خطيئة، ولا تكمن مُهمة التعميد إلا في إعطائهم حياة أبدية جديدة مع آبائهم[40].

2.3. عند البروتستانت

وافق البروتستانت «protestants» على التفسير الذي أعطاه «أوغسطين» للخطيئة الأصلية، فقد جاء في كتاب “أصول التعليم المسيحي” لـ”مارثن لوثر” – مؤسس حركة الإصلاح البروتستانتي- أن الخطيئة الأصلية دخلت إلى البشر عن طريق آدم[41]، فأدت إلى الفساد الكلي للطبيعة البشرية[42]، وعند الحديث عن طبيعة الإنسان يقول: “إن الإنسان بطبيعته لا يخاف الله، ولا يحبه ولا يثق به، فهو ليس باراً بل يميل لعمل الشر”[43]، وهو نفس ما أشار إليه جون كالفين «Jean Calvin»، الذي أكد على الطبيعة الفاسدة للإنسان وحمله الخطيئة الأصلية منذ لحظة الولادة: “الخطيئة الأصلية انحراف وراثي وفساد لطبيعتنا انتشر في جميع أجزاء الروح، الأمر الذي يجعلنا عرضة لسخط الإله”[44]، وجاء في كتاب “اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية”: “منذ سقوط آدم جميع الناس وُلدوا بالخطيئة، إذ أن جميعهم مُلئوا في أرحام أمهاتهم بالشر والميل إلى الشهوة، ولا يستطيعون بطبيعتهم الفاسدة أن يُحصِّلوا الخوف من الإله والإيمان به”[45]. من خلال هذه الاقتباسات يتبين أن العقيدة البروتستانتية تتوافق مع ما ذهب إليه «أوغسطين» من توارث للخطيئة وفقدان للكمال والقداسة، وعدم قدرة إرادة الإنسان على فعل الخير.

أما عن التعميد، فيستأنف الكتاب – اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية – حديثه عن الخطيئة الأصلية مُشيراً إلى ضرورة التعميد، وأنه المُخلص من غضب الله الأزلي، إذ جاء فيه: “وعلاوة على ذلك فإن هذا المرض الوراثي والخطيئة الفطرية تؤديان إلى غضب الله الأزلي لجميع أولئك الذين لم يولدوا من جديد من خلال المعمودية والروح القدس”[46].

وفيما يتعلق بوسيلة الخلاص من الخطيئة فإن الكنيسة البروتستانتية تتوافق مع الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية في أن الخلاص لا يتحقق إلا بعد الإيمان بالمسيح والاعتراف بموته من أجل البشر، غير أن البروتستانت يجعلون الخلاص أشمل، إذ لا يقتصر فقط على الخطيئة الأصلية إنما يتعداه إلى سائر الخطايا الأخرى.

فإن كان مذهب «أوغسطين» ينص على أن التعميد والإيمان بالمسيح مُخلصاً يَجُبُّ الخطيئة الأصلية، ليستقبل المرء بعدها حياته مُتمتعاً بإرادته، مدفوعاً بضرورة العمل الصالح، فإذا أخطأ نال العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، فإن البروتستانت ينصون على أن الخلاص لا يحصل إلا بالإيمان وحده[47]، يقول «J. Lindhardt»: “يكمن الخلاف بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية في أن المذهب الروماني الكاثوليكي يرى أنَّ المرء يجب عليه أن يعمل الصالحات من أجل النجاة، في حين يكتفي لوثر بالإيمان فقط”[48]، وعُمدةُ البروتستانت في ذلك ما جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ”[49] [أفسس 2: 8-9]

وفي رسالته إلى رومية:

“إِذاً نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ” [رومية 3: 28]

فالعمل بالنسبة للوثر وأتباع كنيسته لا يُحقق الخلاص، ذلك أن “ذرية آدم لا تستطيع أن تخلص أمام الله بتقواها وورعها وأعمالها، إنما تُحقق الخلاص بالمسيح عندما تؤمن أنها تلقَّت الصلاح ومغفرة الخطايا بفضل المسيح، الذي بموته ارتحنا من خطايانا”[50].

فبعد هذا العرض لعقيدة الخطيئة الأصلية حسب الفرق المسيحية الثلاث، يتضح لنا وجود العديد من نقاط الاتفاق والاختلاف بينهم، ومن أجل الوقوف عليها بشكل أسهل، ضمَّنْتُها الجدول التالي:

الأرثوذكس الكاثوليك البروتستانت
الخطيئة الأصلية معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء
ما ترتب على الخطيئة الأصلية الموت (فقط) الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر
طريقة انتقال الخطيئة شهوة الجسد شهوة الجسد
الطريقة التي دبرها الإله من أجل التوفيق بين رحمته وعدله تجسد الابن تجسد الابن تجسد الابن
الإيمان بالمسيح شرط للخلاص شرط للخلاص شرط للخلاص
المعمودية دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص
الإيمان والعمل ضروريان ضروريان الإيمان وحده يكفي لتحقيق الخلاص

3.    سبب الخلاف بين الفرق المسيحية

3.1.  بين الكاثوليك والأرثوذكس

العامل الأساس في الاختلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس هو اختلاف تأويلهم للإصحاح الخامس من رسالة بولس لرومية، وتحديداً النص التالي:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

فقد ظهرت ترجمات مُختلفة للجزء الأخير من النص “إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”. يشرح John Meyendorff»[51» كيف أن الكنيسة الغربية ذهبت إلى اعتماد الترجمة التي تُفيد وقوع الجميع في الخطأ، وهو نفس ما اعتمد عليه «أوغسطين» في تأصيله لعقيدة الخطيئة الأصلية وانتقال الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن تلك الترجمة لا تُفيد المعنى الموجود في النص الأصلي، فالكلمات اليونانية الأخيرة من رومية 5: 12 «eph ho pantes hemarton» تُرجمت إلى اللاتينية بـ «in quo omnes peccaverunt» التي تُفيد انتقال الخطيئة إلى الجميع بسبب آدم، وتم اعتماد هذه الترجمة في الغرب مُستدلين بها على توارث الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن هذا المعنى لا يُمكن استخلاصه من الأصل اليوناني، “فالتركيب «eph ho» الذي هو تغيير لـ «epi» عند اتصالها بالضمير «ho»، لا يُمكن ترجمته بما يُفيد أن الجميع أخطأ في آدم، وهذا تتفق عليه جل المدارس الحديثة بشتى خلفياتها”[52].

فنتج بالتالي عن سوء ترجمة النص المؤسِس؛ خلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس عن النتائج التي ترتبت عنها الخطيئة الأصلية، إذ ذهب الكاثوليك بموجب الترجمة الخاطئة إلى أن ذرية آدم ورثت الخطيئة وفساد الطبيعة، أما الأرثوذكس ذهبت إلى كون الإنسان ورث الموت بسبب خطيئة آدم.

3.2.  بين الكاثوليك والبروتستانت

يرجع سبب الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت إلى مجموعة من النصوص المُتعلقة بالإيمان والعمل[53]، ففيما يذهب الكاثوليك إلى ضرورة الإيمان والعمل من أجل نيل الخلاص، نجد أن البروتستانت يكتفون بالإيمان، مُهملين أثر أعمال البر في نيل الخلاص. ويصعب التوفيق بين النصوص التي يستدل بها الكاثوليك مع نظيرتها التي يستدل بها البروتستانت، إذا أن كل مجموعة من النصوص تذهب لوضع تصور خاص حول طريقة نيل الخلاص.

فنقرأ مثلا في رسالة يعقوب كدليل على ضرورة الإيمان والعمل:

“تَرَوْنَ إِذاً أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ” [يعقوب 2: 24]

أما الرأي الآخر الذي يذهب إلى أن الخلاص يُنال بالإيمان من غير عمل فيستدلون بما جاء في رسالة بولس لأفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” [أفسس 2: 8-9]

فهذا الاختلاف بين النصوص -وغيرها كثير- انعكس على الفرق المسيحية، مما انعكس على نوع الخطيئة التي غُفرت بعد صلب المسيح، فجعلتها الكنيسة الكاثوليكية الخطيئة الأصلية وكل خطيئة فعلية قبل التعميد، بينما جعلها البروتستانت كل الخطايا ماضياً ومُستقبلا.

4.   خلاصة

بعد هذا العرض لمفهوم الخطيئة الأصلية عند أوغسطين وتمثلات الفرق المسيحية له، يُمكن وضع مجموعة من النتائج والاستنتاجات، يتجلى أهمها في الدور البارز الذي قام به» أوغسطين« في شرح الخطيئة الأًصلية كما تصورها بولس في رسائله. ورغم تأخره عن القرون الأولى للمسيحية، إلا أنه تفوق على أبرز علماء اللاهوت، كإيرناوس وغيره، مُجليَاً كل الغموض الذي اكتنف التفسيرات السابقة، ليُصبح ما ذهب إليه» أوغسطين« مُعتمَداً في اللاهوت المسيحي، ومُشكلا المذهب الرسمي للكنيسة الغربية، ومنه انتقل إلى الكنيسة الشرقية وإلى البروتستانت مع بعد الفروق الطفيفة. ورغم وجود بعض الاختلافات بين الفرق المسيحية حول نظرتها لعقيدة الخطيئة الأصلية، إلا أنهم مُتفقون على أن للخطيئة نتائج وخيمة انتقلت إلى البشر بسبب معصية آدم. ومن هذا المُشترك يبدأ التمهيد لعقيدة الخلاص وموت ابن الإله كتكفير عن الخطيئة الأصلية، حيث اعتبرت الكنيسة أن معصية آدم خطيئة مُوجهة لذات الله الغير محدود، فهي تتطلب جزاء غير محدود، وليس بإمكان آدم أو ذريته ولو ماتوا كلهم[54] أن يُعوضوا عن الإهانة التي ألحقتها الخطيئة بالله[55]، ولا يستطيع أي ابن آدم ما دام مُلطخاً بالخطيئة أن يُكفر عن الخطيئة. فكان بذلك أن كل بني آدم وبمقتضى عدل الله، مُستحقون للعقاب[56]. غير أن الكنيسة تعتقد أن الإله بالإضافة إلى اتصافه بالعدل، فهو أيضا مُتصف بالرحمة. وبمقتضى صفة الرحمة كان على الآب أن يغفر سيئات البشر، ولم تتوفر أي طريق للجمع بين صفتي العدل والرحمة إلا بتقديم كفّارة بين بني آدم والإله، كفّارة تتميز بالقداسة والكمال التي تُخول له محْوَ الخطيئة المُتوارثة اللامحدودة. وليس يوجد كائن بهذه الصفات إلا الإله نفسه، وهكذا أتم الإله مُخططه فأنزل ابنه من السماء ليُسفك دمه ويموت على الصليب من أجل خطايا الناس، لأنه الوحيد القادر على القيام بهذا العمل[57]، فكانت مُهمة المسيح، التي اتفق عليها الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، أنه جاء ليَمْحُو الخطيئة الأصلية عن عاتق البشر ويُحرِّرَهم من آثارها، وبهذه التأويل تم فهم طبيعة المسيح ومهمته.

 مقال منشور في العدد الثاني من المجلة


الهوامش:

[1]– ويذهب محمد تقي العثماني إلى أن أوغسطين هو الوحيد الذي استوعب خلفيات الكفارة بصورة أوضح، يُنظر: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1982، ص.77.

[2]– Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003, p.63; Britannica Concise Encyclopedia, p.1417.

[3]

[4]– Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007, p.435.

[5]– Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006, pp. 89–112, p.90.

[6]– المانوية «Manichéisme» ديانة غنوصية تُنسب إلى مؤسسها “ماني” الذي عاش في القرن 3 ميلادي، وهي ديانة تأثرت بالمسيحية واليهودية والزرادشتية والبوذية. وكما في كل الحركات الغنوصية، تعتقد المانوية أن المعرفة هي التي تقود إلى الخلاص، ويتحقق ذلك من خلال انتصار النور الخيِّر على الظلام الخبيث، وهي دين مُتشبع بالنظرة التشاؤمية التي تُظهر العالم تحت سيطرة قوى الشر. (يُنظر: Gherardo gnoli, J. G. Daves، ماني والمانوية، تحرير: فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، دار علاء الدين، دمشق، ط.1، 2005، ج.5، ص ص.59-66). وأطلقت المانوية فيما بعد على كل تصور فلسفي يقول بمبدئين كونيين أزليين، مبدأ الخير ومبدأ الشر. (يُنظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ص.764). ثُم عُوض هذا المُصطلح في الدراسات الحديثة بمُصطلح الثنوية «Dualisme»، وأول ظهور لمصطلح الثنوية كان على يد “توماس هيد”، استعمله للدلالة على العقيدة الدينية التي تؤمن إلى جانب إله الخير، بإله الشر المُلازم له أزلياًّ. وظل هذا المُصطلح سائداً في مجال الدراسات الدينية، للإشارة إلى المُعتقدات والأساطير التي ترى للكون أصلين للوجود، الخير والشر، الذكر والأنثى، النور والظلام، إلى غيرها من الثنائيات.

[7]– علي زيعور، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983، ص.125.

[8]– نفسه، ص.175.

[9]– Thomas Dalzel, op. cit, p.90.

[10]– Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996, p.55.

[11]– Thomas Dalzell, op. cit., p.90

[12]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ماهي النصرانية؟، ص.80.

[13]– المرجع السابق، ص.83.

[14]– مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001، ص.749.

[15]– Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991, p.600.

[16]– Saint Augustine, op. cit., p.32.

[17]– Ibid, p.60.

[18]– نقلا عن: ساجد مير، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.ص.139.

[19]– Saint Augustine, op. cit., p.60.

[20]– Ibid, p.61.

[21]– Ibid, p.77.

[22]– K. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007, p.75.

[23]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.93.

[24]– Ibid, p.93.

[25]– وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهرت عند الكاثوليك بدعة صكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء.

[26]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.85.

[27]– المرجع السابق، ص.86.

[28]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005, p.94.

[29]– Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003, V.11, p. 824.

[30]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, p.91.

[31]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.86.

[32]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, p.118.

[33]– S. Boulgakov, Le dogme eucharistique, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987, p.81.

[34]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860, V.2, p.624.

[35]– يُنظر رسالة كورنثوس الأولى 15/22: “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ”

[36]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987, p.146

[37]– Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003, p.129.

[38]– Nicolas Lossky, Lancelot Andrewes théologien anglican, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, p.81.

[39]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, V.2, p.303.

[40]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.146

[41]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983، ص.82.

[42]– نفسه، ص.83.

[43]– نفسه، ص.83.

[44]– Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973, V.1, p.251.

[45]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959, p.29.

[46]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.29.

[47]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، ص.7؛ فايز فارس، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984، ص.29؛

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007, p.107.

[48]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986, p.114.

[49]– أفسس 2: 8-9

[50]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.30.

[51]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.144.

[52]– Ibid, p.144.

[53]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, p.114.

[54]– يقول بولس في رسالته إلى العبرانيين: “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” [رسالة العبرانيين 9: 22]

[55]– باعتبار الحياة أقصى ما يستطيع المرء تقديمه من أجل التكفير عن خطيئته، يُضاف إلى ذلك أن الموت هو العقاب الذي استحقه آدم وذريته بعد الخطيئة الأولى، فلا يقبل الفكر المسيحي أن يكون العقاب سبباً في الخلاص.

[56]– “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” [رومية 6: 22-23]

[57]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.136.

المراجع:

Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000.

Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003.

Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003.

Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007.

Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986.

Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973.

Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005.

John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987.

  1. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007.

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007.

Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860.

Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991.

Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003.

  1. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987.

Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996.

  1. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959.

Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006.

زيعور علي، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983.

فارس فايز، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984.

لوثر مارتن، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983.

مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001.

مير ساجد، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.

الإعلانات

جوناثان براون Jonathan AC Brown

 

اعداد: هبة حداد 

نبذة عن عمله الأكاديميي:

جوناثان أي. سي. براون، حاصل على الدكتواره من جامعة شيكاغو بولاية إلينوز في تخصص “الفكر الإسلامي” بقسم لغات الشرق الأوسط وحضاراته، وحاصل على البكالوريوس في تاريخ التقارب الإسلامي – المسيحي من جامعة جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كما درس اللغة العربية لعام كامل من الفترة يونيو 2000 إلى يونيو 2001 بالقاهرة في مركز دراسة اللغة العربية لغير الناطقين بالعربية (CASA)،  ويعمل حالياً كأستاذ مساعد للدراسات الإسلامية بمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم المسيحي-الإسلامي بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية. كما شغل مناصب عدة ،  كرئيس تحرير “موسوعة القانون الإسلامي” التابعة لجامعة أكسفورد،  و محرر استشاري بـ “مرجعية الدراسات الإسلامية على شبكة المعلومات” التابعة لجامعة أكسفورد،  ومحرر استشاري “لموسوعة العالم الإسلامي ” التابعة لجامعة أكسفورد.

مؤلفاته وإسهاماته في علوم الحديث الشريف:

وله عدة مؤلفات من أهمها وأحدثها كتاب ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” والذي صدر عن دار نشر  Oneworld عام 2014. وصدر له عن جامعة أكسفورد كتاب “محمد: مقدمة قصيرة جداً” عام 2011.  كما له كتاب “الحديث : تراث محمد خلال العصور الوسطى و الحديثة” والذي صدر أيضاً عن جامعة أكسفورد عام 2009. وأخيراً أول كتبه الصادر عن ليدن-بريل عام 2007 “التشريع بالحديث النبوي وفقًا للبخاري و مسلم“.

كما نُشر له عدة أوراق بحثية مهمة مثل “تشريع ابن ماجة: الموثوقية مقابل الاستفادة من السنة المشرفة” ،  مجلة ” كتابة التاريخ والتشريع في العالم الإسلامي في القرون الأولى للإسلام”،  2011. وبحث “هل الشيطان يكمن في التفاصيل؟ النزاع بين شمولية التشريع و بساطته“،  مجلة “القيم الدينية”،  2011،  وكذلك بحث “هل قالها الرسول أم لم يقُلْها؟ الحقيقة الحرفية والتاريخية والأكيدة بالأحاديث النبوية الشريفة“،  مجلة الجمعية الأمريكية الشرقية،  2009. كما نشر بمجلة العالم الإسلامي عام 2006 ورقته البحثية الماتعة “الأيام الأخيرة من حياة الإمام الغزالي و الشعبة الثلاثية بالعالم الصوفي: رسالة أبو حامد الغزالي إلى الوزير السلجوقي و التعليق عليها” وبحث “انتقادات التشريع بالنصوص الأولية للحديث الشريف: تعديلات الدارقطني لصحيحي البخاري و مسلم” ،  بمجلة جامعة أكسفورد للدراسات الإسلامية ، 2004.

فلسفته و آراؤه السياسية والاجتماعية:

وفي حديث أجراه لموقع “آخر الرسل The Last Prophetتكلم البروفيسور براون عن نشأته الأولى حيث ذكر تربيته وفقاً لتعاليم الكنيسة الأنجليكانية ( كنيسة إنجلترا في أمريكا) ،  إلا أن عائلته لم تكن متدينة ولذلك فلم ينشأ ملتزماً بأي من التعاليم المسيحية.

و أردف “لقد آمنت دوماً بوجود الرب،  فحينما كنت بالجامعة وأثناء سنتي الأولى بجامعة جورج تاون،  درست صفاً عن الإسلام و كان المحُاضر وقتها سيدة،  ولقد أثر في ما كانت تشرحه لنا بشكل كبير،  وأدركت أن ما تقوم بتدريسه تلك المُحاضرة ما هو إلا أمورٌ قد آمنت بها طيلة حياتي،  عن الله ،  وفلسفة سببية الكون ،  وفكرة أن العقل والدين من المفترض أن يكونا متوافقين. فالدين من شأنه أن يعزز حياتك لا أن يجعلها أكثر شقاءً”. و أضاف ” وبعد ذلك الفصل الدراسي قضيت وقتاً طويلا في صيف 1997 بقراءة الكتب عن الإسلام كما جُبْتُ أرجاء مختلفة من أوروبا والمغرب،  وعندما عدت للسنة الدراسية التالية أعلنت إسلامي”.

وعن أكثر شيء تأثر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال دراسته للدين الإسلامي والأحاديث النبوية الشريفة على وجه الخصوص ،  أجاب بروفيسور براون “على الأرجح لأنه كان رجلا فاضلا في كل مواقفه،  وهو أمر ملهم للغاية” ،  وأضاف ” فمفهوم القدوة الدينية التي لدينا بأمريكا كان دوماً على منوال محدد ،  على سبيل المثال نجد بالنصوص المسيحية “يسوع” دائماً ما يكون لطيفاً ومتسامحاً،  لكن هناك بعض المواقف التي لا تتطلب منك أن تكون متسامحاً طوال الوقت،  فبعض المواقف تتطلب منك أن تكون ليناً  وأخرى تتطلب منك أن تكون حازماً،  أو صبوراً ،  أو التصرف على وجه السرعة ،  فلا توجد وتيرة واحدة تخبرك كيف تتعامل مع كل المواقف التي تقابلها في حياتك،  ولقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملهماً في كل مواقفه المختلفة وهنا تكمن أهميته كقدوة لأصحابه والتابعين”.

وعن رأيه عن السبب الذي يجعل من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مستهدفة للنقد اللاذع من قبل بعض الناس بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية،  أجاب بروفيسور بروان ” أولا وقبل كل شيء بسبب الجهل. فمعظم الناس لا يعرفون شيئاً عن الإسلام أو النبي ،  ويسمعون أن المسلمين إرهابيون وأن الإسلام دين عنيف، بالتالي فشخصية النبي لديهم تمثل مصدراً أو رمزاً لذلك العنف،  وهذا هو السبب الرئيسي. وهناك أيضاً الكثير من الأسباب السياسية،  فالصراع الدائر بين المسلمين والدول الغربية بسبب أن الأخيرة اعتادت أن تغزو وتحتل بلاد المسلمين ،  مما خلف الكثير من التعقيدات النفسية والأيدولوجية بين الطرفين. فالغرب يصف المسلمين بالعنف لأنهم يقاومون هجمات غزوات الغرب على بلادهم! مما خلف تاريخاً طويلا من الصراع بين الدول الغربية والدول الإسلامية، ولكن هذا النوع من تصوير النبي اليوم، والذي  يبرز تلك الكراهية والحقد بشكل جلي، لا يمكن تفسيرها إلا على أنها نتاج للصراع السياسي حيث تقوم بعض الأطراف بتزكيته بشكل مدروس”.

وعن سؤاله عن موقف وسائل الإعلام من المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية على ضوء ما يواجهه المسلمون من صعوبات بأوروبا،  أجاب بروفيسور براونإن حقوق الحرية الدينية في الولايات المتحدة قوية للغاية،  إذ يقوم الدستور الأمريكي بحماية الممارسات الدينية على اختلافها. فمن السهل جداً للمسلمين ترك أعمالهم للصلاة. ويسمح لك دستورياً بالقيام بذلك. إذا رغبت سيدة في ارتداء الحجاب ولم يرق لصاحب العمل ذلك، فيمكنها رفع دعوى عليه لذلك. ومع ذلك، بسبب المخاوف من الإرهاب تعرض المسلمون لكثير من التوقيفات والتحقيقات من قبل الحكومة من دون سبب حقيقي،  وافتراض أنه لمجرد كون المرء مسلماً فهو يمثل خطراً على الأمن القومي ويوصف بالراديكالية نظراً لعدم اتفاقه مع السياسة الخارجية الأمريكية،  بالرغم من كونه حقاً يكفله الدستور الأمريكي،  فكثير من الأمريكيين لا يوافقون على السياسة الخارجية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تم التصديق على قانون الأمن الوطني الذي يخول للحكومة حرية أكبر في مقاضاة الناس على أساس الأمن القومي والتنصت دون إذن أو أمر من وزارة العدل،  واعتقال العديد من القيادات المسلمة وتعذيبهم كما يحدث بمعتقل خليج غوانتانامو.

وعن رأيه عن جدوى قيام الخلافة الإسلامية،  أجاب البروفيسور براونهذا يبدو منطقياً،  إذ يتقاسم المسلمون قضايا سياسية تهمهم جميعاً على اختلاف بلدانهم،  وكذلك أنماط حياتهم،  لذا يتوجب عليهم أن يشكلوا قوة ضاغطة،  فعلى سبيل المثال حينما تقوم بلد مثل فرنسا بمنع النساء من ارتداء حجابهن في المصالح العامة فعلى المسلمين أن يتوحدوا للمقاطعة أو الإدلاء ببيان تنديدي. فأنا كأمريكي لا يمكنني الموافقة على منع أحدهم من ممارسة طقوسه الدينية،  كما لا أعتقد أن أي أمريكي قد يوافق على ذلك،  إذ ينبغي السماح للجميع بممارسة شعائرهم الدينية بحرية. لذلك فتوحد المسلمين سيجعل لهم تأثيراً سياسياً أكثر قوة في مجال السياسة الخارجية،  فعلى سبيل المثال إذا أرادت إحدى القوى الغربية احتلال أحد بلاد المسلمين لن تجد بلداً مسلماً يدعم قرارها و لن يُسمح لها باستخدام مجاليها الجوي أو البري.

مناقشة كتابه “النقل الخاطئ عن محمد”

ويعتبر كتابه ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” على رأس قائمة الكتب الدينية لعام 2014 كما صنفته جريدة “الإندبيندينت” البريطانية. فالكتاب يأخذ القارئ للأيام الأولى من الحضارة الإسلامية ويكشف له كيف ولِمَ نشأ كل هذا الجدل حول الأحاديث النبوية، موفراً وجهة نظر عن كثب عن آليات ذلك الجدل الدائر بأحد أهم فروع التشريع بالإسلام.

Jonathan A. C. Brown, Misquoting Muhammad. source: http://www.washingtonpost.com

فمن أحداث الربيع العربي عروجاً على مكانة اسطنبول من الإمبراطورية العثمانية،  وجدران مساجد دلهي المكسوة بالحُمرة المذهبة مروراً بطرق التجارة بالعالم الإسلامي القديم عبر المحيط الهندي ،  حدد كتاب “”النقل الخاطئ عن محمد : تحديات وخيارات تفسير التراث النبوي” كيف وازن علماء المسلمين الأوائل بين العقل والوحي،  وإعلاء شأن العلم والدين،  والجدال حول الحقائق الأصيلة بالكتاب المقدس وسط عوالم تموج بالتحولات القيمية.

ففي المقال الذي نشرته لمناقشة ذلك الكتاب للبروفيسور براون،  ذكرت صحيفة ” الإندبيندينت”  أنه ربما يكون الكتاب الديني الوحيد الذي يجمع بين ذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمخرج الإيطالي-الأمريكي مارتن سكورسيز سوياً. إذ يدور كتاب براون حول سرد التاريخ والتأويلات المتعددة،  وجعل الموروثات مفهومة،  حيث يعتقد براون وجود قواسم مشتركة بين التقاليد الدينية وأفلام هوليود ،  فكلاهما يريدان أن ينقلا قصصاً معينة إلى الجمهور،  وإقناعهم بحقائق غيبية.

ويبدو من النظرة الأولى أن براون قد استلهم فكرة كتابه من الكتاب ذائع الصيت “النقل الخاطئ عن المسيح” لأستاذ العهد الجديد والمسيحية المبكرة “بارت إيرمان”، إلا أن براون نفى ذلك في فاتحة كتابه قائلاً أنه على الرغم من قراءته واستفادته من كتب إيرمان السابقة إلا أنه – في الحقيقة – لم يطلع على هذا الكتاب بالذات، وأن الناشر هو من اقترح هذا العنوان. بالنسبة لبراون، العنوان الأصلي للكتاب هو العنوان الفرعي: “تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” . ويوضح براون تركيزه في هذا الكتاب بشكل مكثف على التحديات التي واجهت تفسير الحديث النبوي الشريف عوضاً عن الكشف عن أية أصول إسلامية للنص الشريف،  فيستكشف التاريخ التفسيري الغني في الإسلام بالرغم من محاولات الطعن في صحته.

فقد يتعجب قارئ هذا الكتاب حين يرى أنه على غرار الشريعة التوراتية المتغيرة،  فأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمثل تراثاً تشريعياً لطالما كانت محل التدقيق والجدل،  بينما ظل النص القرآني الكريم . ومرجع هذا يعود جزئياً لنسبة العديد من آراء صحابته صلى الله عليه وسلم إليه إما عمداً أو عن طريق الخطأ.  وبالرغم من قدسية النص الشريف وحرص أجيال علماء المسلمين على تناقله،  إلا أن وجود اختلافات بنصوص مختلفة من الحديث الشريف جعل بعضها يُصنَّف بالأحاديث “الضعيفة” و”الموضوعة” من قبل علماء المسلمين أنفسهم. لذا فالمهتمون بالأحاديث النبوية الشريفة الذين طالما استوقفتهم تلك الإسقاطات التاريخية بصحتها بشكل مجحف،  قد يجدون في تحليل براون لتلك الأحاديث ما يثير اهتمامهم.

وحيث يخوض براون في كتابه بالقارئ ذهاباً وإياباً مع مجموعة كبيرة من المراجع الإسلامية استطاع إثبات كيفية تمكن علماء الحديث الشريف من الموازنة بين صحة الأحاديث المشرفة مع واقع حياة الناس. فقدرته على إدراج عناوين قوية لفصول ذلك الكتاب مثل “متى لا يكون النص الشريف صحيحاً” ،  أو “الكذب على رسول الله“،  لمناقشة تلك الأحاديث النبوية المتواترة وما اتبع من أسلوب مثير لتحليل مواضيع شائكة مثل العلاقة بين “القرآن والعنف الأسري” ،  أو “من يقرر المراد من كلمات الله تعالى” نقلت كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” إلى مستوى آخر مختلف عن ماهو متعارف كلاسيكياً عن تفسيرات الأحاديث النبوية الشريفة.  وربما أكثر العناوين التي تناولها براون في كتابه إثارةً للجدل هي “مضاجعة القاصرات” ،  مشيراً بذلك إلى زواج الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في سن الخمسين من السيدة عائشة وهي في سن العاشرة. كما تناول أيضاً مواضيع الظلم بين الجنسين مثل جرائم الشرف، والآية المفسرة لضرب الزوجة حال النشوز ومختلف مواقف السلطة الدينية الرسمية تجاه حرية المرأة بالوقت الحاضر.

وفي سؤال وجه إليه خلال مقابلة أجراها لحساب موقع “جدلية- Jadaliyya”  عن رؤيته الخاصة حيال تأثير كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” على المناقشات الراهنة بين جمهور الإسلاميين،  أعرب عن أمله أن يجد القراء المهتمين بالتاريخ الفكري الإسلامي أثناء قراءتهم كتابه دراسة موضوعية للحديث الشريف وتفسيراً أكثر عمقاً،  فالكتاب مثالي لأولئك الذين يتصفحون المناقشات العلمية ويريدون الغوص عميقاً في ماهية هذا الجدل الدائر حول دقة وأصالة الأحاديث النبوية الشريفة. كما أضاف “للكتاب أهمية لأولئك المهتمين بدراسة اللاهوت و التوراة،  لأنه يضع التفسيرات الكلاسيكية للنصوص الإسلامية قيد المقارنة”.

وأخيراً،  فكتاب “النقل الخاطئ عن محمد” لـ جوناثان براون يعتبر من أحد أهم الإسهامات في الدراسات الإسلامية التي صدرت مؤخراً،  لاحتوائه على بحث جهيد في كل من النصوص الأصلية للأحاديث النبوية الشريفة،  والقانون الإسلامية و الصوفية واعتماده على مخطوطات نادرة ومصادر ذات أهمية بالغة في الفكر الإسلامي.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة

صدور العدد الثاني من “مجلة الدراسات الدينية” لشهر جمادى الآخرة 1436هـ / أبريل 2015

غلاف العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية جمادى الآخرة 1436 / أبريل 2015م

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد جهد يزيد عن ثلاثة أشهر من الإعداد والمراجعة، يسرنا أن نقدم للقراء الأفاضل العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية لشهر أبريل 2015م /جمادى الآخرة 1436هـ.

في هذا العدد: 

  • افتتاحية العدد – المشرف العام
  •  شخصية العدد: د. جوناثان براون
  •  الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين وتمثُلاتها عند الفرق المسيحية (الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت) – ياسين اليحياوي
  •  التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية – أيمن تركي
  •  ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي) – هيثم سمير
  •  طقس الهيلولة في الممارسة الدينية اليهودية: يهود المغرب إنموذجا – عبد المنعم ايت المسعود
  •  المرأة اليهودية في التوراة والتلمود – جمال صوالحين
  •  عقود آثرية لاتفاق ما قبل الزواج في التلمود – هبة حداد
  •  لقاء مجلة الدراسات الدينية مع أ. د. إياد سالم السامرائي

لتحميل العدد بجودة عالية: اضغط هنا 

لتحميل العدد بجودة منخفضة: أضغط هنا

نتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة. 


لإرسال مشاركاتكم وتعليقاتكم يُرجى التواصل على البريد الإلكتروني:  jrs_mag@yahoo.com 

موقع المجلة: www.religmag.wordpress

صفحة فيس بوك: www.facebook.com/jrsmag

جهود أبو عيسى الوراق في علم مقارنة الأديان : كتاب “المقالات” نموذجاً

عبد الرحمن ن. الطوسي ([1])

لم يكن فن الجدل الديني، وليد لحظة زمنية معينة، بل هو تراكم مجموعة من المعارف على مر التاريخ، أصبحت اليوم تشكل علماً له أسسه وقواعده، ومراجعه ومصادره، وأصبح يدرس في الجامعات، وتعقد له الندوات، وتكتب فيه البحوث والأطروحات، وإذا قمنا برصد تاريخ هذا العلم، سنجده مر بثلاث مراحل أساسية، مرحلة التأسيس ثم مرحلة التقعيد، وأخيراً مرحلة الكمال، وكانت البداية مع القرآن الكريم، الذي يرجع له الفضل بالدرجة الأولى في وضع لبنة أساس هذا العلم، من خلال الآيات العديدة التي ترسّخ مبدأ الحوار والنقاش والجدل، والآيات التي تعرض للعقائد الفاسدة للناس وتنتقدها، وانطلاقا من هذه الآيات، بدأ العلماء في تأسيس هذا العلم، ورسم ملامحه، ثم خلف من بعد هؤلاء خلف، قعَّدوا قواعده، حتى استوى على سوقه، فوصل إلينا على صورته التي هو عليها اليوم.

لكننا، عندما نذكر الرجال الذين ساهموا في هذا المجال، نكتفي بذكر الأعلام المشهورين الذين قادوا مرحلة التقعيد، من أمثال ابن حزم وابن تيمية وابن القيم وغيرهم، وأما الذين قادوا مرحلة التأسيس، فإننا – وللأسف – نضرب عنهم الذكر صفحاً، وندفنهم تحت رمال النسيان، مع مالهم من فضل في فن جدل الأديان.

ولما كانت نسبة الفضل إلى أهله من تمام مكارم العلم، وجب علينا أن نسلط الضوء على هؤلاء الذين كان لهم قدم سبق في هذا الباب، وقد اخترت أن أعرف القارئ الكريم بأحد أقطاب الجدل الديني في المرحلة التأسيسية، ممن برع في هذا المجال، وترك بصمته فيها، حتى كانت كتاباته زاداً للمفسرين في طلب هذا الفرع من علوم الدين، هذا الرجل هو أبو عيسى الوراق، محمد بن هارون الوراق البغدادي ( توفي 247 هـ / 861 م بالرملة – العراق )([2]) من المتكلمين النظارين. وكان معتزلياً، ثم خلط وانتهى به التخليط إلى أن صار يرمى بمذهب أصحاب الاثنين([3])([4])، وكان للمعتزلة السبق في اتهامه بذلك([5])([6])، بينما يَعُده الاثنا عشرية من رجالهم([7])، قال عنه صاحب الرواشح «من أجلة المتكلمين في أصحابنا وأفاضلهم»([8]) وأكثروا من النقل عنه([9]). وكان الوراق مصاحباً لابن الراوندي([10]) الملحد، ولما طلبهما السلطان – حسب رواية أبي علي الجبائي([11]) -، هرب ابن الراوندي، وقبض على أبي عيسى، فرمي في السجن، وبقي هنالك حتى مات([12]).

خلَّف أبو عيسى وراءه مجموعة من الأعمال ككتاب الإمامة الكبرى، والإمامة الصغرى، وكتاب اقتصاص مذهب أصحاب الاثنين والرد عليهم، وكتاب الرد على المجوس، وكتاب الرد على اليهود، وكتاب الرد على النصارى الكبير والأوسط والأصغر([13]) وكتاب السقيفة، وكتاب اختلاف الشيعة([14])([15])، لكن، للأسف كتاباته لم تحفظ لنا، ربما بسبب سمعته السيئة، لكن لحسن الحظ، وصلنا كتابه “الرد على النصارى” من خلال اقتباسات يحيى بن عدي([16])، الفيلسوف المسيحي، تلميذ الفارابي، الذي كتب رداً على أبي عيسى اقتبس فيه كلامه ورد عليه([17])، وسمى رده هذا “تبيين غلط محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق”، فحفظ لنا غالبية نص كتاب أبي عيسى الوراق، إن لم يكن النص الكامل للكتاب، يقول الأستاذ خليل سمير ومن معه مؤكدين أن «الغالبية العظمى، إن لم يكن كامل رد أبو عيسى الوراق على الثلاث فرق من النصارى قد حفظ لنا في الرد الذي قام به يحيى بن عدي.»([18])، ولما كان أبو عيسى من أوائل الناس كلاماً عن الملل والنحل في الثقافة العربية الإسلامية، تأثر بكتاباته العديد ممن غاصوا في بحر الجدل الديني من بعده، كالإمام الباقلاني والقاضي عبد الجبار المعتزلي([19])، يقول الأستاذ عبد المجيد الشرفي في معرض كلامه عن الإمام الباقلاني «من الواضح في كلام الباقلاني على النصارى أنه اعتمد فيه على أسلافه من أصحاب الردود وخاصة منهم على الوراق.»([20]).

ويعد كتابه “الرد على النصارى” ذا أهمية كبيرة في مجال الجدل الديني، لما احتوى عليه من حسن طرح لعقائد النصارى، ومن رد ونقد عقليين في غاية البراعة والإتقان، لكن، أقول مستدركاً، إن كتابه هذا في الرد على النصارى ليس هو أهم أعماله، بل إن لأبي عيسى موسوعة دينية غاية في الأهمية، وهي المعروفة باسم “المقالات”، وللأسف فإن هذا الكتاب القيم هو مفقود، لكننا انطلاقا من كلام المتخصصين والشواهد الحية المتوفرة لدينا، سنحاول رسم صورة تقريبية لهذا العمل، وسنحاول بيان جهود أبو عيسى الوراق في مجال مقارنة الأديان انطلاقاً من هذا العمل المسمى “المقالات”، وقد رأيت أن يكون الكلام مقسم إلى ثلاثة أقسام، قسم نبحث فيه محتوى هذا الكتاب، والقسم الآخر، فسنحاول فيه تصور العوامل وراء هذا العمل، أما القسم الأخير، فسنتكلم عن المنهج الذي اعتمده أبو عيسى في مؤَلَفِه.

محتوى الكتاب:

من المؤكد لدينا أن أبا عيسى تكلم في كتاب “المقالات” عن فرق النصارى واختلافاتهم، فهو نفسه من أكد ذلك في كتاب “الرد على النصارى” حين قال «أتينا على وصف صنوف النصارى وألقابها وأسماءها، وذكرنا بعض العلل التي فرَّقت بين أديانها واحتجاج كل فرقة منها لقولها في كتابنا الذي وصفنا فيه مقالات الناس واختلافهم.»([21])، ومنه: فقد خصص أبو عيسى كتاب “الرد على النصارى” للطوائف الثلاثة الكبرى المعروفة، أما الطوائف الأخرى كالمارونية والأليانية والسبالية والأريوسية والبولية أصحاب بولس الساموساطي وغيرهم فقد فصَّل فيهم في كتابه “المقالات” كما يدل سياق كلامه([22]).

الدارسون لا يعلمون عدد الفرق المسيحية التي تكلم عنها أبو عيسى الوراق في كتابه “المقالات” يقيناً، إلا أنه في مخطوطة (Ms. Vat. ar. 113)([23]) لكتاب “الرد على النصارى” المحفوظة بمكتبة الفاتيكان، عند كلام أبي عيسى عن كتابه “المقالات” نجد تعليقاً هامشياً للناسخ يقول فيه «كتب كتاباً يصف فيه مقالات الناس واختلافهم، وفيه جمع سبعين فرقة [نصرانية]، أغلبها ليس لها كتابات.»([24])، تَتَبُع أخبارِ سبعين فرقة مسيحية وذكر الاختلافات بين بعضها البعض ليس أمراً سهلاً، وإن دل على شيء، فإنما يدل على ريادة أبي عيسى في هذا الفن وتمكنه، وعلى موسوعية هذا الكتاب، ولا أشك أنه كان له أثر على من جاء بعد الوراق ممن كتبوا في هذا الفن -كما سنرى-. أضف إلى ذلك، أن يكون لناسخ مسيحي من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي معلومات عن هذا الكتاب يدل على مدى تأثير هذا الكتاب في الوسط الديني العربي.

لم يقتصر أبو عيسى في كتاب “المقالات” على ذكر الفرق النصرانية فقط، بل قد تكلم فيه عن اليهود أيضاً، فإن أبا الريحان البيروني في كتابه “الآثار الباقية” ينقل كلاماً في وصف بعض طوائف اليهود ينسبه لأبي عيسى في “المقالات” فيقول «… وذكر أبو عيسى الوراق في كتاب المقالات أن السامرة لا تعيِّده …»([25]) «وحكى أبو عيسى الوراق في كتاب المقالات عن نوع من اليهود يقال لهم المغاربة أنهم يزعمون أن الاعياد لا تصح إلا بأن يكون القمر في ليلة الأربعاء وهي التي تتلو نهار الثلاثاء عند غروب الشمس يطلع بدرا ويكون في ارض بني اسرآئيل فذلك راس السنة ومنه تعد الايام والشهور وعليه تدور الاعياد لان الله تعالى خلق النورين العظيمين في يوم الاربعاء كأنهم لا يجيزون الفصح الا يوم الاربعاء ولا يوجبون شرائطه وسنته الاَّ على من حل ارض بني اسرائيل وذلك خلاف ما عليه جمهورهم وضد نطق به التورية …»([26]) «وذكر أبو عيسى الوراق في كتاب المقالات أن الألغانية من اليهود …»([27]) من هذه التفاصيل المنقولة عنه في هذه الاقتباسات، فإنه من المحتمل أن يكون أبو عيسى قد تفرع في ذكر تفاصيل معتقدات فرق اليهود كما فعل مع اخونهم النصارى. 

من الملاحظ من اقتباسات البيروني عن الوراق، أن هذا الأخير تكلم عن الطائفة اليهودية المسمات “المغارية”([28])، والناظر في الكتب والأسفار، يجد أن هذه الفرقة من اليهود لم تذكر عند العرب إلا عند ثلاثة، الأول كان أبو الريحان البيروني في كتابه “الآثار الباقية” نقلاً عن أبو عيسى في كتابه “المقالات”، والثاني كان الحبر اليهودي أبو يوسف يعقوب القرقساني([29]) في كتابه “الأنوار والمراقب” وهو يمثل الشاهد الأقدم بين هؤلاء الثلاثة([30])، وقد استعان في أحد اقتباساته بالفيلسوف داود بن مروان المقمص([31])، والثالث هو الشهرستاني في كتابه المعروف بـ “الملل والنحل” ([32]).

نحن نعلم أن البيروني اعتمد على كتاب “المقالات” كمصدر للكلام عن هذه الفرقة اليهودية، ونعلم أن الشهرستاني اعتمد على أبي عيسى في كتابه كمصدر من مصادره -كما سنبين عند الكلام عن الثنوية-، ومنه، فإن هناك احتمالية أن يكون الشهرستاني اطلع على كلام الوراق عن هذه الفرقة اليهودية، أما القرقساني فإنه -فيما أعلم- لم يعتمد الوراق كمصدر من مصادره، ولا نقل عنه، لكنه نقل عن الفيلسوف داود بن مروان المقمص، وهناك من احتمالية أن يكون هذا المقمص قد اعتمد -في كتابه الذي نقل عنه القرقساني([33])– على أبي عيسى الوراق([34])، لكن لا يجب أن نستبعد الاحتمالية العكسية بأن يكون الوراق هو من اعتمد على المقمص([35]).

احتوى كتاب “المقالات” كذلك على وصف لفرق الثنوية، وأكثر الشواهد المتبقية من كتاب “المقالات” كانت عن الثنوية([36])، ويبدوا أن كلام أبو عيسى الوراق عن الثنوية في كتابه كان وصفياً غير نقدي، حتى اعتبره البعض أنه ينتصر له، يقول الشريف المرتضي «فأما أبو عيسى الوراق فإن التثنية مما رماه بها المعتزلة، وتقدمهم في قذفه بها ابن الراوندي لعداوة كانت بينهما، وكانت شبهته في ذلك وشبهة غيره تأكيد أبي عيسى لمقالة الثنوية في كتابه المعروف ب‍ (المقالات) وإطنابه في ذكر شبهتهم»([37]). أصبح كتاب “المقالات” مرجعاً لمن جاء بعد الوراق لمن يريد أن يكتب عن مذاهب الثنوية، فقد اعتمد عليه أبو محمد النوبختي الشيعي([38]) في كتابه “الآراء والديانات”([39])([40])، لكن، لا يمكن الجزم أن النوبختي أخد عن “المقالات”، لأن أبا عيسى قد كتب كتابين آخرين عن الثنوية (كتاب اقتصاص مذهب أصحاب الاثنين والرد عليهم – كتاب الرد على المجوس) لكن لا يستبعد أن يكون محتوى هذين الكتابين مشابها لمحتوى “المقالات”([41])، وأقدم الشواهد لكلام الوراق عن مذهب الثنوية هي الاقتباسات التي نقلها عبد الجبار المعتزلي -بواسطة النوبختي-، حيث ذكره أربع مرات([42]).

واستعان محمود بن محمد الملاحمي([43]) بكتاب “المقالات” بشكل كبير في كتابه “المعتمد في أصول الدين”، يقول محقق كتاب “المعتمد” «أثمن استشهادات ابن الملاحمي هي المقتطفات الطويلة من كتاب المقالات لأبي عيسى الورّاق، و يعرب ابن الملاحمي عن نيته مناقشة مبادىء الفرق المخالفين في التوحيد كالثنوية، و النصارى، و المجوس، و دحض حجتهم بشكل أشرح مما فعله مشايخ المعتزلة في كتبهم المختصرة، و المتوسطة. و يستعمل كتاب أبي عيسى الورّاق، الذي يسميه كتابه في الديانات، كمصدره الرئيسي.»([44])، لقد نقل الملاحمي مقاطع كبيرة من كلام أبي عيسى، فنقل عنه كلامه عن المجوس، والمانوية، والديصانية، والمرقيونية، والماهانية، والزرادشتية، والصيامية، فيمكننا أن نتصور أن أبا عيسى الوراق قد خصص -في المقالات- فصلاً عن الثنوية، أورد فيه تفاصيل عقائد هذه الفرق السالفة الذكر([45])، بالإضافة إلى الملاحمي، فقد كان الشهرستاني من الذين اعتمدوا على أبي عيسى عند كلامهم عن مذاهب الثنوية، فنقل عنه عند كلامه عن المانوية([46]) وعند كلامه عن المزدكية([47])، ونقل عنه الأشعري أيضاً([48]).

لم يخلوا كتاب “المقالات” من الكلام عن الفلاسفة، يأكد ذلك قول شيخ الاسلام ابن تيمية « وإذا قال أبو عبد الله الرازي: “اتفقت الفلاسفة” فإنما عنده ما ذكره ابن سينا في كتبه وكذلك كلام المشائين أتباع أرسطو وإلا فالفلاسفة أصناف مختلفة وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه الكبير في المقالات لما ذكر مقالات غير الإسلاميين وكذلك أبو عيسى الوراق والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم ممن يحكي مقالات الناس ويناظرهم ذكروا من أقوال الفلاسفة اختلافهم ما يكون كلام المشائين فيه قليل من كثير.»([49]) كذلك، فإن اقتباسات الملاحمي تثبت ذلك، فقد نقل كلام الوراق في الدهرية وهي طائفة من الفلاسفة([50]).

كان لأبي عيسى -كذلك- علم بمذاهب العرب العقدية، فقد نقل عنه القاضي المعتزلي عبد الجبار -بواسطة النوبختي- قوله «وحكى عن أبي عيسى الوراق أنه قال في العرب إنها كانت صنوفاً شتى، فمنهم ..»([51])، وهذا يجعلنا نميل إلى كون كتاب “المقالات” قد حوى الكلام عن العرب قبل الإسلام([52]).

ليس في إمكاننا تصور كتاب “المقالات” خالياً من ذكر أحوال المسلمين ومذاهبهم، وهناك شواهد تأكد أن أبا عيسى قد تكلم في كتابه عن الشيعة، شهد لنا بذلك المسعودي حين قال -عن الزيدية- «وقد ذكر جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم كأبي عيسى محمد بن هارون الوراق وغيره، أن الزيدية كانت في عصرهم ثمانية([53]) ..»([54]) وقد نقل عنه غير واحد نقله مقولات هشام بن سالم الجواليقي وهشام بن الحكم الرافضي وأصحابهما في تجسيم الباري عز وجل([55])، فيمكننا أن نتخيل -على الأقل- فصلاً جمع فيه أخبار الشيعة وفرقهم، ومن تفرع عنهم، ونقل أقوالهم في العقيدة كما نقل قول الجواليقي، وربما -ولما لا- تكلم عن الفرق الإسلامية الأخرى، لكن ليس لدينا دليل قاطع يأيد ذلك، إنما هو الظن الغالب.

الدوافع وراء التأليف:

علينا أن نعلم، أن أبا عيسى لم يكن الوحيد الذي اشتغل بالتأليف في الفرق والمذاهب في تلك الفترة (القرن التاسع الميلادي)، فهناك على سبيل المثال أبو يعلى المسمعي([56]) المعتزلي، له كتاب بعنوان “المقالات”([57])، وأبو العباس الإيرانشهري([58])([59]) له كتاب بعنوان “المقالات” أيضاً([60]) تكلم عنه البيروني وبيّن محتواه([61])، وأبو معشر البلخي([62]) له كتاب “الدول والملل”([63])، وفي القرن العاشر نجد أيضاً ممن ألفوا في الفرق كالمسعودي الذي ألف كتاب “المقالات في أصول الديانات”([64])، والنوبختي له كتاب “الآراء والديانات” كما أسلفنا الذكر([65])، وغيرهم كثير، وهنا يطرح السؤال: ما الدافع وراء هؤلاء -ومعهم أبو عيسى الوراق- في التأليف في الفرق والمذاهب ؟! يمكن أن يجاب على هذا السؤال بجوابين، الأول: أن هذا الجمع للعقائد والفرق كان بدافع من حب المعرفة والاستطلاع والفضول، حيث كان لهؤلاء رغبة ونَهَمٌ كبيرين في تحصيل العلوم والمعارف، والاطلاع على العقائد الأخرى المخالفة للعقيدة الإسلامية، يقول د. دافيد توماس -في سياق الحديث عن الكتب التي فقدت ولم يتبقى منها إلا الاقتباسات التي نقلتها الكتب أخرى، أن من خلال هذه الاقتباسات القليلة يمكننا أن نستنتج- «أن عدد من المسلمين اهتموا بتجميع وتنظيم المعلومات حول معتقدات الديانات الأخرى، بدافع الفضول لمعرفة تقاليد العقائد المخالفة لمعتقدهم.»([66])، والثاني: أن هذا الجمع كان بسبب التَأثُّر بحديث الفرقة الناجية، الذي نصه «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة، وستفترق هده الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة»، فيبدوا أن هؤلاء المؤلفين أرادوا حصر هذا العدد من الفرق، كما فعل الشهرستاني في “الملل والنحل”، وعبد القاهر البغدادي في “الفرق بين الفرق”، يقول أ. عباس كاظم في مقدمة ترجمته لكتاب “فرق الشيعة” للنوبختي «علماء الفرق تعاملوا مع حديث الرسول (ﷺ) حول انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، هذا الحديث أصبح نقطة انطلاق العديد من هؤلاء العلماء، وأساس منهجهم [أي: في التأليف]»([67]). الجواب الأول لا يفسر لنا اهتمام المؤلفين في الفرق بذكر الفرق الإسلامية المعروفة العقيدة، كالشيعة والمعتزلة وغيرهما، والجواب الثاني لا يفسر لنا ذكر هؤلاء المؤلفين للديانات الأخرى الوثنية، فالحديث لا يتكلم سوى عن اليهود والنصارى !.

الذي يظهر لي -والله أعلم- أن حركة التأليف في هذا المجال بدأت بدافع حصر عدد الفرق الوارد في الأحاديث، ثم بعد ذلك ومع مرور الزمن، أصبح هناك نَهَم، فأصبحت الكتابة أكثر موسوعية، وخرجت عن حدود الديانة الإسلامية، كما لا يجب أن نغفل عن حس التنافس والإبداع، فما من واحد إلاَّ يحب أن يبرز في فنه، ويأتي بما لم تأت به الأوائل، مما جعل الدائرة تتوسع في مجال التأليف، وربما اختلاط المسلمين بهؤلاء القوم، دفع هؤلاء المؤلفين لكتابة كتب يبينون فيها فساد عقائد القوم، تحذيراً للمسلمين من الوقوع في شركها وخلط عقيدتهم بها، لعل كل هذه العوامل دفعت الوراق إلى أن يكتب كتابه الموسوعي هذا.

منهجه في تأليف كتاب “المقالات”:

من خلال جميع الاقتباسات التي وقفنا عليها فيما سبق، يتبين أن كتاب “المقالات” لم يكن مخصصاً للرد على الفرق والمذاهب، ولكنه كان كتاباً وصفياً، يعرض فيه المذاهب واختلافاتها، والأديان ومذاهبها، وليس هناك ما يشير إلى أن الوراق في كتابه هذا قد انتقد أو رد أو هاجم أي طائفة من الطوائف، لكن كما قلت، الكتاب موسوعة دينية، كما الموسوعة الحديثة، تعرض الآراء والأفكار فقط، كما قال عند كلامه عن فرق النصارى في كتابه “الرد على النصارى” «أتينا على وصف صنوف النصارى وألقابها وأسماءها، وذكرنا بعض العلل التي فرَّقت بين أديانها واحتجاج كل فرقة منها لقولها في كتابنا الذي وصفنا فيه مقالات الناس واختلافهم.»([68])، فواضح أن عمله في هذا الكتاب كان الوصف، والوصف فقط([69]).

ومنهج أبو عيسى الوراق في عرض العقائد -حسبما استقصاه د. دافيد توماس انطلاقاً من الاقتباسات المتوفرة في كتاب “المعتمد في أصول الدين” عن الدهرية- أنه يقوم (1) بعرض الخطوط العريضة للديانة أو الفرقة أو المعتقد ثم (2) يعرض الاختلافات داخل هذه الفرقة والمذاهب التي تفرعت عنها، وأخيراً (3) يقدم ما اعتمدت عليه كل مذهب من هذه المذاهب من أدلة على قولها([70]).

بقيت نقطة أخيرة في قضية المنهج، وهي معرفة طريقة العرض التي اعتمدها أبو عيسى للفرق في كتابه، هل كان أبو عيسى يعرض الفرق حسب المواضيع ؟ مثال «باب اختلاف الناس حول كلام الله: قالت المعتزلة … وقال الأشاعرة … إلخ»، أم أنه يعرض الفرق حسب المجموعات، كما فعل الشهرستاني والبغدادي ؟ مثال: «باب الكلام عن النصارى: تعتقد النصارى بـ … واخترقوا إلى يعقوبية و … باب الكلام عن اليهود: وسمَّ اليهود يهوداً لأن … وقالوا أن … وانقسموا إلى …إلخ»، الذي يترجح من خلال دراسة الاقتباسات المتوفرة لهذا الكتاب، أن كتاب “المقالات” إنما رتب حسب الفرق والمجموعات([71])، كما هو الحاصل، وفي كل مجموعة، هناك فصول يعرض فيها الفرق المنتمية لهذه المجموعة، مثلاً «باب الكلام عن الثنوية: 1-فصل عن المانوية: …. 2- فصل عن الديصانية …. وهكذا».

كلمة ختامية:

كتاب “مقالات الناس واختلافهم” موسوعة في تاريخ الأديان بما تحمل الكلمة من معنى، بذل فيه أبو عيسى الوراق جهداً كبيراً، جمع فيه -كما رأينا- فرق اليهود واختلافاتهم، وفرق النصارى واختلافاتهم، وفرق الثنوية واختلافاتهم، ومذاهب الفلاسفة واختلافاتهم، وفرق الإسلام واختلافاتهم، أو على أقل تقدير فرق الشيعة والروافض واختلافاتهم، وربما حوى فرق أخرى وأديان أخرى، لكننا لا نملك بين أيدينا شواهد على ذلك، وأصبحت كتب أبي عيسى، سواء كتابه هذا أو كتبه الأخرى، مراجع يرجع إليها، وينابيع يشرب منها، لكن وللأسف، لم يعط الرجل حقه بين أقرانه، ولم يشتهر أمره، لأن كتبه عدمت ولم يعد لها وجود باستثناء واحد، أو لأنه اتهم بالزندقة والردة، ونحن لا يهمنا معتقده، فهذا أمر يخصه، فإن أصلح فلنفسه وإن أساء فعليها، لكن الذي يهمنا، هو اعطاء هذا الرجل حقه، وأقل حقوقه علينا، إخراجه من درج النسيان الذي وضع فيه، وذكر اسمه في عند الحديث عن مقارنة الأديان !.

بحث منشور في العدد الأول من المجلة 


الهوامش:

([1]) المصدر الأساسي والرئيسي لهذا المقال، هو بحث د. دافيد توماس المُعَنْوَن “أبو عيسى الوراق وتاريخ الأديان”.

([2]) أنظر: مروج الذهب 4/23.

([3]) مذهب أصحاب الاثنين: وهو مذهب الثنوية (Dualism) القائلين بإلهين اثنين، النور والظلمة، الخير والشر، ينتمي إلى هذا المذهب: المجوس، والمانوية .. وغيرهم.

([4]) الفهرست، 1/216.

([5]) وزعم الشريف المرتضى أن ابن الراوندي كان ممن اتهم أبا عيسى بتلك التهمة، أنظر: الشافي 1/89.

([6]) قال عنه القاضي عبد الجبار المعتزلي: «كان ثنوياً»، المغني، ص 12. ثم رجع في كتابه تثبيت دلائل النبوة فقال عنه وعن غيره «وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون.» تثبيت دلائل النبوة 1/51. ووصفه بأنه من الروافض، تثبيت دلائل النبوة 1/225. ثم في نفس الكتاب قال عنه «فاعرف هذا فان هؤلاء الملاحدة كأبي عيسى الوراق، والحداد، وابن الراوندي» تثبيت دلائل النبوة 1/128-129 وفي غير ما موضع من الكتاب. والذي يتضح لي أن القاضي المعتزلي كان يعتبر الوراق زنديقاً ملحداً ثانوياً حاقداً على الإسلام، تشيع ووضع على ظهره بردعة الرفض، وادعى الإسلام، لكن في الحقيقة هو يضمر الكفر والإلحاد، أنظر: تثبيت دلائل النبوة 1/231-232.

([7]) أنظر: قاموس الرجال 11/353.

([8]) الرواشح، ص 93.

([9]) المرجع السابق.

([10]) ابن الراوندي: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي.

([11]) أبو علي الجبائي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي.

([12]) أنظر: تاريخ الإسلام 6/902، البداية والنهاية 14/766.

([13]) أنظر: الفهرست 1/216.

([14]) الرواشح، ص 93.

([15]) وينسب له كتاب “المشرقي” وكتاب “النوح على البهائم”، ورد هذه النسبة الشريف المرتضى – لما في هذين الكتابين من زندقة – محتجاً بأنه من المحتمل أن يكون بعض الثنوية هم من كتبوا هذه الكتب ونسبوها إليه !، أنظر: الشافي 1/89-90.

([16]) يحيى بن عدي: أبو زكريا يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا المنطقي التكريتي.

([17]) See: A Muslim Theologian in the Sectarian Milieu, P 36.

([18]) L’homme et son langage, P 281.

([19]) See: Early Muslim Polemic Against Christianity, P 77.

([20]) الفكر الإسلامي في الرد على النصارى، ص 154.

([21]) Anti-Christian Polemic in Early Islam, P 70.

([22]) Ibid, P 70.

([23]) تاريخ نسخها: 712 هـ / 1312 م.

([24]) Ibid, P 187, N. 67.  

([25]) الآثار الباقية، ص 277.

([26]) المرجع السابق، ص 284. (نقلته كما هو في المطبوع).

([27]) المرجع السابق.

([28]) يعرف بها د. عبد الوهاب المسيري بقوله «المغارية فرقة يهودية ظهرت في القرن الأول الميلادي حسبما جاء في القرقشاني. وهذا الاسم مشتق من كلمة «مغارة» العربية، أي كهف، فالمغارية إذن هم سكان الكهوف أو المغارات، وهذه إشارة إلى أنهم كانوا يخزنون كتبهم في الكهوف للحفاظ عليها، ويبدو أنها فرقة غنوصية، إذ يذهب المغارية إلى أن الإله متسام إلى درجة أنه لا تربطه أية علاقـة بالمادة (فهو يشبه الإله الخفي في المنظومة الغنوصية)، ولهذا فإن الإلـه لم يخـلق العالم، وإنما خلقـه ملاك ينـوب عن الإله في هذا العالم. وقد كتب أتباع هذه الفرقة تفسيراتهم الخاصة للعهد القديم وذهبوا إلى أن الشريعة والإشارات الإنسانية إلى الإله إنما هي إشارات لهذا الملاك الصانع. وقد قرن بعض العلماء المغارية بالأسينيين والثيرابيوتاي.»، عن النسخة الإلكترونية لموسوعة: اليهود واليهودية والصهيونية.

([29]) يعرف به د. عبد الوهاب المسيري بقوله «عالم قرّائي اسـتوعب العلوم الإسـلامية الدينيـة والدنيويـة في عصره، وكان على إلمام كبير بالتراث الحاخامي. وأهم كتبه كتاب الأنوار والمراتب(.) (بالعربية)، وهو مصنف في القوانين القرّائية، أما الكتاب الثاني فهو كتاب الرياض والحدائق، وهو تعليق على الأجزاء التي لا تتناول الشرائع في العهد القديم. وهو، في جميع كتاباته، يُحكِّم عقله ويستند إلى قواعد التفسير التي وضعها العلماء القرّاءون من قبله.»، عن النسخة الإلكترونية لموسوعة: اليهود واليهودية والصهيونية.

(.) أخطأ د. المسيري في اسم الكتاب، فهو “الأنوار المراقب” وليس “الأنوار المراتب”، ولربما التصحيف في النسخة الإلكترونية دون المطبوع، لم أتحقق من ذلك.

([30]) See: Who Were the Maġārīya?, P 347.

([31]) لتفاصيل عنه راجع الموسوعة اليهودية (بالإنجليزية)، نسخة إلكترونية.

([32]) يقول القرقساني «وظهر قول لقوم يقال لهم المغاريّة وإنما أسميوا بهذا لأن كتبهم أصيبت في مغار منهم الإسكندراني وكتابه مشهور معروف(.) وهو أجل كتب المغارية وبعده كتيب صغير يقال له .. وهو أيضا كتاب حسن فأما سائر كتب المغارية فليس فيها كتاب له معنى وإنما أكثرها وأخبار شبيه بالخرافات.» الأنوار والمراتب، ص 12 (I.2.8-13)، «المغارية تتخذ رؤوس الشهور اذا أبدر الهلال ولهم في ذلك احتجاج سنذكره اذا بلغنا الى الكلام في رأس الشهر وعلامته وحكى عنهم انه كان فيهم قوم لا يرون أن يضحكوا ولهم على مواضع من الكتاب تأويلات بعيدة شبيهة بالخرافات وحكى داود بن مروان في بعض كتبه عن الصدوقية انهم كانوا يجسمون البارئ جل ثناؤه ويحملون ما وصفه به الكتاب من الأوصاف التي توجب التجسيم على ظاهرها وحكى عن المغارية ضد ذلك وهو انها لم تكن تقول بالتجسيم غير انهم لم يكونوا ايضا يخرجون تلك الاوصاف عن ظاهرها بل كانوا يزعمون انها اوصاف لبعض الملائكة وهو الذي خلق العالم وذلك على ما سنحكي من قول بنيامين النهاوندي .. » ص 42 (I.7.1-8.1)، «فهذه جملة أقاويل هؤلاء الذين ظهروا إلى هذه الغاية على ما تأدَّى إلينا وبعض هذه الأقاويل قد بطلت وذلك مثل المغارية والصدوقية وكذلك أصحاب اسمعيل العكبري لم يبق منهم أحد ..» ص 59 (I.18.1-19.1).

(.) يرى “صموئيل بوزنانسكي” أن كتب الإسكندراني يقصد بها كتابات فيلو اليهودي.

See: Samuel Poznanski, La place de Philon dans l’ancienne littérature judéo-arabe, Revue des Études juives 50 (1905). )Quoted from: Stroumsa, Twenty Chapters, P 21, N. 43.(

يقول الشهرستاني « وزعمت فرقة من المقاربة أن الله تعالى خاطب الأنبياء، بواسطة ملك اختاره وقدمه على جميع الخلائق، واستخلفه عليهم، وقالوا فكل ما في التوراة وسائر الكتب من وصف الله عز وجل فهو خبر عن ذلك الملك، وإلا فلا يجوز أن يوصف الباري تعالى بوصف، قالوا وإن الذي كلم موسى عليه السلام تكليما هو ذلك الملك، والشجرة المذكورة في التوراة هو ذلك الملك. ويتعالى الرب تعالى عن أن يكلم بشرا تكليما. وحمل ما ورد في التوراة من طلب الرؤية، وشافهت الله، وجاء الله، وطلع الله في السحاب، وكتب التوراة بيده، واستوى على العرش قراراً، وله صورة آدم، وشعر قطط، ووفرة سوداء، وأنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأنه ضحك الجبار حتى بدت نواجذه، إلى غير ذلك، على ذلك الملك. قال: ويجوز في العادة أن يبعث ملكا روحانيا من جملة خواصه، ويلقي عليه اسمه، ويقول: هذا هو رسولي، ومكانه فيكم مكاني، وقوله قولي، وأمره أمري، وظهوره عليكم ظهوري، كذلك يكون حال ذلك الملك. وقيل إن أرنوس حيث قال في المسيح إنه هو الله، وإنه صفوة العالم، أخذ قوله من هؤلاء، وكانوا قبل أرنوس بأربعمائة سنة، وهم أصحاب زهد وتقشف.» الملل والنحل 2/240-241.

([33]) ربما نقل القرقساني من كتاب المقمص المسمى “عرض المقالات على المنطق”.

See: Stroumsa, Twenty Chapters, P 21.

([34]) See: Abu ‘Isa al-Warraq and the History of Religions, P 278.

([35]) Ibid, P 278, N. 14.

([36]) Ibid, P 278.

([37]) الشافي 1/89.

([38]) النوبختي: أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي.

([39]) الكتاب -للأسف- مفقود، ممن نقل عن هذا الكتاب: عبد الجبار المعتزلي، المسعودي، ابن الجوزي، ابن أبي الحديد، ابن تيمية، ابن الملاحمي.

See: Law and Tradition in Classical Islamic Thought, P 269-270.

([40]) سؤال: كيف عرفنا أن النوبختي نقل عن الوراق وكتاب النوبختي مفقود ؟ الجواب: لقد اعتمد عبد الجبار المعتزلي على النوبختي في حكاية قول الثنوية، وكان ينقل عنه حكايته لقول الوراق فيقول مثلاً «وحكي [يقصد النوبختي] عن أبي عيسى الوراق » المغني، ص 11. فاستُشف من مثل هذه الاقتباسات أن النوبختي اعتمد على أبو عيسى الوراق كمصدر في الكلام عن مذاهب الثنوية.

See: Anti-Christian Polemic in Early Islam, P 42.

([41]) See: Abu ‘Isa al-Warraq and the History of Religions, P 279.

([42]) «وحكى أبو عيسى الوراق عن أكثرهم أن النور لم يزل مرتفعا في ناحية الشمال والظلمة منحطة في ناحية الجنوب.» المغني، ص 10، «وحكى عن أبي عيسى الوراق أن أفعال نفسيهما باختيار، لكن اختيارهما والعلم والجهل فيكون بعض ذلك أكثر من بعض على قدر كثرة أجزاء النور وأجزاء الظلمة.» ص 11، «وقال الوراق في كتابه، وكان ثنوياً: هم على ثلاث فرق، فرقة تنفي الأعراض، وأخرى تثبتها أعياناً للأجسام، وثالثة زعمت أنها صفات لا يقال هي الجسم أو غيره.» ص 11، «حكاية قول المزدقية: حكى الوراق أن قولهم كقول كثير من المانوية في الكوين، لكنهم زعموا أن النور يفعل على القصد والظلمة تفعل بالخبط» ص 16.

([43]) الملاحمي: ركن الدين محمود بن محمد الملاحمي الخوارزمي، تجد ترجمة وافية له في مقدمة تحقيق كتابه “المعتمد في أصول الدين”.

([44]) المعتمد، ص 14.

([45]) See: Abu ‘Isa al-Warraq and the History of Religions, P 281.

([46]) أنظر: الملل والنحل 2/269.

([47]) أنظر: المرجع السابق 2/275-276.

([48]) أنظر: مقالات الإسلاميين، ص 349.

([49]) الصفدية 2/293-294.

([50]) أنظر: المعتمد، ص 547-548.

([51]) المغني، ص 156.

([52]) See: Anti-Christian Polemic in Early Islam, P 187, N. 67. – Early Muslim Polemic Against Christianity, P 19.

([53]) هم: الجارودية، المرئية، الأبقرية، اليعقوبية، العقبية، الأبترية، الجريرية، اليمانية.

([54]) مروج الذهب 3/208.

([55]) أنظر: مقالات الإسلاميين، ص 33-34، الملل والنحل 1/188، الفرق بين الفرق، ص 49، 51، الوافي بالوفيات 26/58، بحار الأنوار 3/289.

([56]) المسمعي: أبو يعلى محمد بن شداد بن عيسى المسمعي المعتزلي، يلقب بـ: زرقان.

([57]) أنظر: الأعلام 6/157.

([58]) الإيرانشهري: أبو العباس محمد بن محمد الإيرانشهري، ترجمت له الموسوعة الإيرانية.

See also: Christian-Muslim Relations, P 889.

([59]) معلومة مفيدة: هذا الإيرانشهري شخصية مغمورة، وقليل من تكلم عنه، وقد تتبعت المصادر التي تكلمت عن الإيرانشهري فوجدتها كالتالي:

  • “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” للبيروني.
  • “الآثار الباقية عن القرون الخالية” للبيروني.
  • “قانون المسعودي” للبيروني.
  • “زاد المسافرين” لناصر خسرو.
  • “بيان الاديان در شرح اديان و مذاهب جاهلی و اسلامی” لأبي المعالي محمد بن عبيد الله حسيني علوي.

See: The Cambridge History of Iran, P 421.

وقد وقفت على كلام البيروني عنه في كتابيه “تحقيق ما للهند” و “قانون المسعودي” وعلى كلام أبي المعالي في كتابه “بيان الاديان” وعلى كلام ناصر خسرو في كتابه “زاد المسافرين” بواسطة، ولم أقف على كلام البيروني عنه في كتابه “الآثار الباقية” لا مباشرة ولا بواسطة، ولم أورد ما وقفت عليه من اقتباسات لأن ليس هذا موضوعنا، وإنما أحببت أن أضيف

معلومة للمخزون المعرفي للقارئ.

([60]) See: Encyclopedia of Islamic Civilization and Religion, P 226.

([61]) «فما وجدت من أصحاب كتب المقالات أحدا قصد الحكاية المجرّدة من غير ميل ولا مداهنة سوى أبي العبّاس الإيرانشهريّ، إن لم يكن من جميع الأديان في شيء بل منفردا بمخترع له يدعو إليه ولقد أحسن في حكاية ما عليه اليهود والنصارى وما يتضمّنه التوراة والإنجيل وبالغ في ذكر المانويّة وما في كتبهم من خبر الملل المنقرضة، وحين بلغ فرقة الهند والشمنيّة صاف سهمه عن الهدف وطاش في آخره إلى كتاب زرقان ونقل ما فيه إلى كتابه، وما لم ينقل منه فكأنّه مسموع من عوامّ هاتين الطائفتين» تحقيق ما للهند، ص 15.

([62]) البلخي: أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي.

([63]) أنظر: الأعلام 2/127.

([64]) التنبيه والإشراف، ص 132، 137، 306، 343.

([65]) أنظر الهامش رقم 35.

([66]) Religious Polemics in Context, P 95.

([67]) Shi’a Sects, P 17.

([68]) Anti-Christian Polemic in Early Islam, P 70.

([69]) See: Abu ‘Isa al-Warraq and the History of Religions, P 282.

([70]) See: Ibid, P 281.

([71]) See: Ibid, P 283-284.

الصلاة الربانية والكذب المقدس

أيمن تركي

 

“استعادة نص موحد ليسوع هو أمر مستحيل”

David C. Parker

يحكي لنا العهد القديم بسفر الملوك الأول الإصحاح 13 كيف أن أحد الأنبياء (كذب) على نبي آخر مثله زاعماً أن الرب قد أوحي له بأمر عكس ما كان قد أوحاه نفس الرب سابقاً للنبي المخدوع:

13: 15 فقال له (النبي الكاذب) سر معي إلى البيت وكل خبزاً

13: 16 فقال (النبي المخدوع) لا أقدر أن أرجع معك ولا أدخل معك ولا آكل خبزاً ولا أشرب معك ماءً في هذا الموضع

13: 17 لأنه قيل لي بكلام الرب لا تأكل خبزاً ولا تشرب هناك ماءً ولا ترجع سائراً في الطريق الذي ذهبت فيه

13: 18 فقال له (النبي الكاذب) أنا أيضاً نبي مثلك وقد كلمني ملاك بكلام الرب قائلا ارجع به معك إلى بيتك فيأكل خبزاً ويشرب ماءً كذب عليه

ولأن سمة الأنبياء هي الصدق فيما يخبرونه عن الوحي فلم يشك النبي (المخدوع) للحظة في كلام النبي (الكاذب)، وكانت عاقبته أن قتله الأسد نتيجة لأنه (خالف كلام الرب) بناءً على تعليمات من النبي الكاذب الذى زعم كاذباً ان الرب نفسه هو من أمره بنقل تلك التعليمات !!.

فإذا كان السؤال المستفاد من تلك القصة هو: هل أنبياء الله بالكتاب المقدس قد يكذبون فيما يقولونه عن الله ؟!

فإن إجابة نفس هذا السؤال ليست بالضرورة مقصورة فقط على أنبياء العهد القديم بل هي في الحقيقة منصوص على حقيقتها جملة وتفصيلاً وبدون خلاف –يذكر – بين العلماء على كتبة العهد الجديد أيضاً.

الصلاة الربانية

الصلاة الربانية هي تلك الكلمات التي يذكر إنجيلي (متى) و(لوقا) أن المسيح علمها بنفسه للتلاميذ عندما طلب واحد من تلاميذه ذلك (لوقا 11-1)

وفقاً لترجمة الفاندايك فإن جواب يسوع على هذا الطلب وفقاً لروايتي (متى 6/9-13) و (لوقا 11/2-4) جاء متطابقاً:

  • أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك
  • ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض
  • خبزنا كفافنا أعطنا اليوم (لوقا: خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم)
  • واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا (لوقا: واغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا)
  • ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

على أن رواية (متى) عكس (لوقا) تضيف بنهاية العدد 13 تسبيحة ختامية: (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين)[1].

للوهلة الأولى فإن القارئ سيلاحظ أن ألفاظ الصلاة متطابقة وواضحة وبالتالي لا أحد يملك أن يقولها بشكل مختلف لأن تلك الألفاظ على حد وصف البابا شنودة الثالث: ((أما الصلاة الربية ، فلا نملك أن نغيرها. لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا، باسم الجماعة.[2]))[3]

ولأن البابا شنودة ولا السائل عاصر يسوع وهو يقول تلك الكلمات ولأننا لا نملك أي مصادر أخري غير الأناجيل لألفاظ الصلاة الربانية فإنه لا ضير أن نعيد صياغة المقطع الأخير من الجملة السابقة ليكون ((لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا وفقاً لما نقله لنا متى ولوقا من قوله بأنها تنطق باسم الجماعة))

ومع الإيمان المسيحي بالوحى وشهادة العيان لـ (متى) و(لوقا)[4] وتطابق الألفاظ فإن القارئ سيحمل جزم البابا شنودة بكل ثقة.

لكن ماذا لو أن رواية وألفاظ (متى) فعلاً تختلف مع رواية وألفاظ (لوقا) ؟!

نص الصلاة الربانية

نظرياً فإن أقدم الشواهد لألفاظ الصلاة الربانية تأتينا من كتابات آباء الكنيسة حيث القرن الثاني والثالث والقديس (أوريجانوس) الذي يذكر في كتابه عن الصلاة الربانية اختلاف صيغتي الصلاة بإنجيلي (متى) و (لوقا):[5]

الصلاة وفقاً لرواية متى الصلاة وفقاً لرواية لوقا
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم

واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا

ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

الآب، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك.

خبزنا اليومي أعطنا كل يوم

وأغفر لنا ذنوبنا لأننا أيضاً نغفر لكل من يُذنب إلينا

ولا تدخلنا في تجربة.

هذا النقل من قبل القديس (أوريجانوس) للصلاة الربانية المعروفة وقتها في كنيسته يعطى لنا صورة مبسطة عن الاختلافات اللفظية لصيغة الصلاة التي علمها يسوع لتلاميذه خلال القرون الأولى. من هذا النقل أيضاً يمكننا أن نرى أن تسبيحة (متى) بنهاية العدد 13 لم تكن معروفة سواء بإنجيل (متى) أو بإنجيل (لوقا) في ذلك الوقت، كذلك فإن رواية (لوقا) تظهر وبشكل ملحوظ أنها أقصر من رواية (متى)، ففي الوقت الذي يفتتح فيه (متى) الصلاة بـ(أبانا) فإن (لوقا) يقرأها فقط (الآب) مع حذفه لـ(الذي في السماوات)، كذلك فإن رواية (لوقا) لا تتضمن طلب (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) ، أيضاً فإن (لوقا) يقرأ (كل يوم) خلافاً لـ(متى) الذى يقول (اليوم)، وأخيراً فإن الصلاة الربانية بـ(لوقا) لا تتضمن (لكن نجنا من الشرير) و بالطبع كما أشرنا مسبقاً لا تتضمن التسبيحة (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين).

أما من الناحية العملية فإنه ينضم إلى شهادة (أوريجانوس) النظرية شهادة أقدم برديات العهد الجديد ألا وهي البردية بودمير 75 والتي يعود بها العلماء بشكل عام إلى ما بين العامين 175م- 225م، تلك البردية والمكتشفة عام 1952 تقدم أقدم صيغة معروفة للصلاة الربانية بالقرن الثاني والثالث بالإضافة للعديد من المخطوطات اليونانية والترجمات المختلفة والآباء الذين يدعمون تلك الرواية، والتي يمكننا بسطها للقارئ من خلال الجدول التالي:[6]

صيغة الصلاة الربانية برواية (لوقا) وفقاً للمخطوطات:
قراءه (الآب) بدلاً من (أبانا) Greek: P75 01 Β 1 22 57 130 372 700 1192* 1210 1342 1582 Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (الذي في السماوات) Greek: P75 01 Β L 1 22 57 130 372 443* 700 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) Greek: P75 Β L 1 22 130 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(g1 30 Vg) Sy(S C Diatessaron) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

قراءة (كل يوم) بدلاً من (اليوم) كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) تقرأ (كل يوم) عدا المخطوطات التالية تقرأ (اليوم):Greek: D 2 27 28 71 472 1009 1071 1195* 1242* 1458 2542 2713 L1761

Version: Lat(a aur  b c e d f ff2 g1 i l r1 Vgmss) Sy(Htxt) Cob(b2mss) Aeth

Father: Aug Hil

حذف (لكن نجنا من الشرير) Greek: P75 01*-2 Β L 1 22 57 130 131 226* 237 242 426 372 700 1192*          1210 1342 1582 2193

Version: Lat(g1 Vg) Sy(S) Cob(sa bmss) Arm Geo

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

حذف (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين). كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) بلا إستثناء

نظراً لأن الطابع الأغلب لدى النساخ- بشكل عام[7]– وبهذه الحالة- بشكل خاص- هو إحداث التوازن والتناغم بين نصوص الأناجيل المختلفة أو ما يعرفه علماء النقد النصي باسم ((Harmonization، حتى أن العالم (جوردون في) يعترف بأنه لا يوجد أي مخطوط أو تقليد مخطوطي خالي من إحداث تلك التوازنات[8]، فإن قرار علماء النقد النصي كان مبنياً على أن قراءة (الفاندايك) والموجودة بأغلب المخطوطات اليونانية وغير اليونانية هي (تحريف أو فساد) تم بداعي إحداث توازن بين الصيغتين بإنجيلي (متى) و(لوقا)، أقر بذلك (بروس متزجر)[9] و(كورت ألاند)[10] و(فيليب كمفورت)[11] و(إيرمان بارت)[12] و(كليتون هاروب)[13] و(وليام وارين)[14] و(تشارلز وليام)[15] و(هارولد جرينلى)[16] و(ويلاند ويلكر)[17] و(واين كاندي)[18] و(فريدريك وايز)[19] و(ديفيد باركر)[20] و(اندرو بندسترا[21]( و(فينست تايلور)[22] و(روجر أومانسون)[23] والكثير والكثير غيرهم.

ولهذا فلا غرابة أن نجد أن الأغلبية الساحقة من الترجمات المختلفة والنسخ اليونانية النقدية تقرأ الصلاة الربانية بإنجيل (لوقا) بالصيغة القصيرة.

فمن الترجمات الإنجليزية: RSV. NRSV. ESV. NASB. NIV. TNIV. NEB. REB. NJB. NAB. NLT. HCSB. TEV. NET.

ومن الترجمات العربية: اليسوعية والمشتركة والبولسية والآباء الدومنيكان وبين قوسين بترجمة الحياة

ومن النسخ اليونانية النقدية: (جريسباخ) و(تريجليز) و(تشندورف) و(الفورد) و(ويستكوت وهورت) و(نستل ألاند) و(UBS) و(تاسكر) و(ألكسندر سوتير) و(جوزيف بوفر) و(فون سودن) و(هاينريك جوزيف فوجليز) و(أوغسطينوس ميرك) و(ماري جوزيف لاجرانج) و(برنارد وايس) و(هاينريك جريفين) و(مايكل هولمز) و(جورج كيلباتريك) وغيرهم. الأمر الذي لم يجد معه العالم الإنجليزي (ديفيد باركر) سوى التأكيد على أنه: ((اليوم فإن الجميع -عدا داعمي نص الأغلبية- يوافقون على أن القراءة الأقصر بـ (لوقا) هي الأفضل))[24]

وحي أم كذب

خلال القرون الأولى للفكر المسيحي فإن مفهوم الوحي لم يكن متبلوراً بالشكل الذي نعرفه الآن[25]، فمرجعية الوحي كانت تطلق على كل رأي أو فكرة يمكن أن تفيد في إيمان الكنيسة، فمثلاً نجد أن القديس اكليمنضس الروماني (القرن الأول) يعتبر نصيحته مدعومة من الروح القدس نظراً لأنها حازت على القبول والتطبيق من قبل سامعيها، فيقول في رسالته الأولي إلي كورنثوس 63/2 ما نصه: ((إنكم تبعثون فينا الفرح والسعادة، إذا أطعتم نصيحتنا التي نكتبها لكم بالروح القدس))[26]، الأمر ذاته نجده عند القديس أغناطيوس الأنطاكي (القرن الأول) في رسالته إلي فيلادلفيا :((فأنى أشهد لله أن اللحم لم يكشف لي ذلك، أن الروح يقول لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف واحتفظوا بأجسادكم كهياكل الله))[27]، لكن الأمر لم يكن متوقفاً على الآباء الرسل فقط بل أنه يمكن أن نجد آثاره أيضاً عند نساخ الكتاب المقدس أنفسهم، فيقول العالم (كورت ألاند) واصفاً فكر النساخ المسيحيين في القرون الأولى قائلاً: ((حتى بالنسبة للنساخ المتأخرين، فعلى سبيل المثال الفقرات الإزائية بالأناجيل كانت مألوفة لديهم فعمدوا إلى تكييف كل نص مع الآخر. كذلك فإنهم رأوا أنفسهم أحراراً في عمل تصحيحات بالنص، تحسينه من خلال معايير خاصة للتصحيح، سواء نحوية أو أسلوبية أو بشكل أكثر جوهرية. كل هذا كان حقيقة أيضاً خلال الفترة المبكرة، عندما لم يكن النص يتمتع بالشكل القانوني، خصوصاً وأن تلك الفترة الأكثر قدماً كان المسيحيون يعدون أنفسهم ممتلئين بالروح القدس))[28]، ورغم اختلافه مع نتيجة ذلك إلا أن العالم (آرثر باتزيا) يقر بنفس الحقيقة قائلاً: ((يجب علينا أن ندرك أن نص العهد الجديد كان (نصاً حياً) في عملية تطوير حرة، خصوصاً خلال القرنين الأول والثاني))[29]، إن هذه الفوضى من الوحي المقدس (الكاذب) خلال القرون الأولى لانتقال العهد الجديد تجعلنا نتساءل بشكل جدي عن حقيقة الوحي لدى كتبة الأناجيل أنفسهم !! فمع أخذ عمل (تاتيان) والمسمى (الدياطسرون) في الاعتبار والذي حاول فيه إخراج الإنجيل برواية واحدة فإن التاريخ المسيحي لا يخبرنا الكثير عن تعامل آباء القرن الأول والثاني مع اختلافات الروايات الإزائية بالأناجيل المختلفة اللهم إلا في شهادة لـ (أوريجانوس) القائلة:

((أنا لا ألومهم إذا كانوا في بعض الأحيان تعاملوا بحرية مع أشياء هي في نظر التاريخ حدثت بشكل مختلف، وقاموا بتغييرها لتأييد أهداف باطنة في رؤيتهم، كما لو كانوا يتكلمون عن شيء حصل في مكان ما وكأنه حصل في مكان آخر، وعن أمر حدث في زمن ما وكما لو أنه حدث في وقت آخر، ويدخلون بعض التغيرات من أنفسهم بطريقة ما فيما قيل فعلاً. كان قصدهم قول الحقيقة حيثما كان هذا ممكناً بشكل مادي وروحي، وفي حال استحالة ذلك كانوا يفضلون قول الوجه الروحي عن المادي. الحقيقة الروحية كانت غالباً تنقل بما يمكن للمرء أن يسميه الكذب المادي))[30]، تلك الشهادة الصادمة يجب أن نفهم واقعها بنفس واقع فهم النساخ للنص المنحدر من قبل هؤلاء الإنجيليين، أو كما يقول العالم (هولمت كوستر):

((حتى وعندما صارت المادة بشأن يسوع متاحة في الشكل النصي فإنهم كانوا أحراراً في التعديل والتغيير وفقاً للاحتياجات الحالية))[31]، ما يجب أن نفهمه إذاً أنه خلال تلك الحقبة الزمنية من عملية الانتقال النصي للعهد الجديد: هو أن أقوال يسوع مرت بعدة مراحل من الـ(الإفساد) المركب خلال عبورها من مرحلة الانتقال الشفهي وحتى تقنينها لتكون مكتوبة فكل القصص والأقوال عن يسوع: ((سردت واعيد سردها العديد من المرات قبل ان تصل مرقس أو أي من الإنجيلين من خلال المبشرين والمعلمين والمعوذين وصانعي المعجزات كل فرد من هؤلاء قد ترك علامة في قالب التقليد))[32]، فإذا كان من المعلوم لدي علماء المسيحية كافة قيام النساخ بعمليات (تحريف) من حذف وإضافة وتغيير لتلك الأقوال فإن كتبة العهد الجديد أنفسهم قد قاموا بنفس العمليات في مرحلة استخدامهم للمصادر الشفهية والمكتوبة عن يسوع، يمكننا تبسيط تلك الفترة بالشكل التالي:

فمع إقرار معظم علماء المسيحية أن (مرقس) كان مصدراً من مصادر الإنجيل لدى كلاً من (متى) و (لوقا)[33]، فإنه يجب علينا أن نتخيل قول العالم (ماثيو واليامز): ((على الرغم من اختلاف وسائل النساخ وكتبة الأناجيل، فإنه من المفترض هنا أن العديد من أنواع التغييرات التي تمت من قبل النساخ ربما تمت أيضاً من قبل (متى) إذا كان قد استخدم (مرقس) كمصدر عندما كان يؤلف إنجيله، أو من قبل (مرقس) لو كان استخدام نص (متي) كمصدر.))[34]، كذلك قيامهما: ((متي ولوقا سمحا لأنفسهما بحرية كبيرة في تعديل ملاحظات مرقس الزمنية والمكانية المتصلة بالقصص معاً))[35]، أو كما يقول العالم: (تشارلز وليام): ((تماماً كما قام (متى) و(لوقا) بتنقيح يونانية (مرقس) من خلال تلطيف الكلمات الخشنة أو الكلمات والمقاطع غير المألوفة، كذلك فإن النساخ عملوا في الأناجيل نفس الشيء)) [36]، وهو الأمر الذى شدد على خطورته العالم (جودون في) عندما نبه على أنه: ((يجب أن يكون المرء حذراً في عدم الافتراض التلقائي لما فعله الكتبة والنساخ))، نظراً لأن الكتبة -يقصد الإنجيليين- : ((في أغلب المواضع،.. يميلون إلى إعادة كتابة (مصادرهم) بدرجة متفاوتة من الدقة))[37]، في حين أن الميل الأعظم للنساخ هو: ((جعل الفقرات متناسقة من بعضها))[38]، وذلك لأن عمل الكتبة قد اكتسب الصيغة القانونية والروحية بالكنيسة في حين أن مرحلة عمل النساخ بعد هذا التقنين لعمل الكتبة هو التغلب على معوقات فهم البعض للفظ (الوحي) في ضوء الاختلاف الواقع بتلك الصيغ القانونية من خلال (التنسيق) بين فقراتها.[39]

فإذا كانت الصلاة الربانية بألفاظها الحقيقية أو حتى (المحرفة) جزءاً من التقليد الشفهي أو التقليد المكتوب في مصادر ضائعة (Q)[40]، ومع رفض أغلب العلماء لنظرية المواقف المختلفة[41]، فإن تفسير رواية (لوقا) القصيرة يعد أمراً صعباً للغاية[42]، لأنه بإثبات اختلاف صيغة (لوقا) عن صيغة (متى) كما بينا من قبل، فإن هذا يعنى أن أحدهما قد أعاد كتابة صيغة الصلاة التي بين يديه أو أن هذا الأمر قد تم من قبل (كليهما) وذلك لأغراض وأهداف معينه[43]، ومن ثم بعدما أخذت الكتابات الإنجيلية مكانتها بالقرن الثاني بدء النساخ في عملية (التنسيق) بين تلك الصيغ المختلفة ظهرت حينها صيغة (لوقا) الطويلة لتتناسب مع صيغة (متى) وذلك لحل مشكلة الاختلاف بينهما، بل وفى بعض المواضع بـ (لوقا) تمت عملية (التنسيق) مع الصيغة المستخدمة شفهياً عند البعض كما هو الحال في إضافة قراءة (ليحل الروح القدس علينا ويطهرنا) ببعض المخطوطات والآباء[44]، أو حتى بإضافة صيغة التعميد بنهاية صيغة (متى).[45]

الخلاصة

مما سبق نستنتج أنه إذا كان واقع الإنجيليين في التعامل مع مصادرهم هو كما يقول يقول العالم (دانيال والاس):

((الحقيقة أن الإنجيلين ليسوا كالنساخ. كل واحد فيهم لديه شيئاً من منظروه الخاص يساهم به في القصة وبالتأكيد لم يعدوا أنفسهم كنساخ لإنجيل (مرقس). (متى) له أسلوبه في الكتابة بالإضافة إلى دوافع معينة، والتي تختلف عن التي لدي (لوقا). كل إنجيلي يُظهر نمطاً واضحاً في تقديمهم للأناجيل.))[46]

فإنه لن يكون صادماً للبعض التفكير في كل المواضع الأخرى التي قام الإنجيليين بإدخال فكرهم وأسلوبهم في كلمات يسوع نفسها:

فعلى سبيل المثال عندما علم يسوع بوجود أمه وإخوته ماذا كان رده:

هل قال وفقاً لرواية (مرقس): لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي

أم أنه قال وفقاً لرواية (متي): لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي

أم أنه أجاب بشكل أبسط وفقاً لراوية (لوقا): أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها

وبالمثل ماذا كانت رؤية (بطرس) حرفياً ليسوع:

هل هي كما قال (مرقس): أنت المسيح

أم أن الأمر كان أكثر توسعاً كما هو في رواية (متى): أنت هو المسيح ابن الله الحي

أم أن الوصف ببساطة كما هي عادة (لوقا): مسيح الله

لماذا كان كل هذا الاهتمام لدى الإنجيليين بتعديل كلمات أصحاب القصص بأناجيلهم ؟!، للحد الذي جعل الكثير من العلماء يقرون بأنه: ((عندما قام كتبة العهد الجديد باستخدام أقوال يسوع لم تكن هناك حاجه الى كلمات يسوع حرفياً، بدون شك كلمات يسوع الحرفية موجودة بالعهد الجديد لكنها ليست بالضرورة في كل المواضع))[47]، مشددين على أنه: ((لا توجد جملة واحدة يمكننا ان نؤكد انها تتضمن كلمات يسوع الحرفية …))[48]، وذلك لأنه: ((الاختلافات في سرد نفس الأقوال بالأناجيل المختلفة تكفي بمفردها لتأكيد ذلك))[49]، بل أن بعضهم أقر بأن من يطلب الحرفية في تلك الروايات يضع عصمة الأناجيل نفسها على المحك نظراً لأنهم يطالبون بدقة تفصيلية أكثر مما يمكن للإنجيليين أنفسهم ان يعطوها !![50]، الأمر إذاً قد لا يكون بتلك البساطة فإذا كنا في الأمثلة السابقة رأينا القصة من منظور ثلاثي فإنه ببعض المواضع قد يكون الأمر من منظور ثنائي فقط -فبالإضافة إلى مثالنا عن الصلاة الربانية- فإنه يمكننا أن نتساءل أيضاً عن كلمات يسوع، هل هي كما قال (متى):

10: 32 فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السماوات

10: 33 ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات

أم أن ما نطق به يسوع هو كما قال (لوقا):

12: 8 وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله

12: 9 ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله

كذلك فإنه علينا ان نتدبر جيداً في وصف يسوع لإيمان تلاميذه عندما خافوا من الهلاك هل هو وفقاً لرواية (متي):

8: 26 فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟

أم انه وصفهم كما نقل عنه (مرقس): 4: 40 وقال لهم: ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم

وبشكل أكثر تعقيداً فإنه ينبغي علينا أن نفتح مجال إدراكنا لصورة أكبر وأكثر عمقاً وتعقيداً، وأعني هنا مع استدعاء فكر الوحي (الزائف) وهاجس المسيحيين الأوائل- بما فيهم الإنجيليين أنفسهم- بالإضافة والحذف والتعديل في أقوال يسوع وفقاً لحاجتهم الاجتماعية او اللاهوتية، النظر كذلك إلى الأقوال ذات المنظور الواحد، لنتساءل هل قالها يسوع حرفياً أم أن الإنجيلي كعادته وكما فعل في معظم الأماكن قام بتعديل كلماته وربما أضاف عليها او حذف منها ؟![51]، وبالتالي فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة النص الأصلي فحسب ولكنها مرحلة توثيق ما قبل هذا النص المكتوب الذى يمكننا الوصول إليه أم كما يقول العالم (إيرمان بارت): ((حتى لو استطاع العلماء النجاح في إعادة تكوين العهد الجديد، فإن هذا في حد ذاته ليس شهادة لحقيقة رسالته))[52]، الأمر إذاً ليس نوعاً من أقوال المشككين السفسطائية كما يزعم العالم (والاس)[53]، لكنه أمر نابع من نظريات عملية لعلماء مسيحيين والذين يقرون بحقيقة أن: ((كتبه الإنجيل لا يقدمون معلومات عن تعاليم يسوع التاريخي وإنما يوفرون معلومات مباشرة عن لاهوت الكنيسة الأولي))[54]!!، الأمر الذي سيبدو صادماً لمحبي البابا شنودة عندما يقرءون ما نقله العالم (أندرو بندسترا) عن أن معظم علماء المسيحية يقرون اليوم بأننا:

((نمتلك صوت (أو إحساس) يسوع في الصلاة الربانية لكنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل استعادة كلمات يسوع حرفياً)) [55]

[مقال منشور في العدد الاول من مجلة الدراسات الدينية، ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ]


[1] الأغلبية العظمي من علماء النقد النصي لا يقرون بصحة تلك التسبيحة (يراجع تعليقات متزجر النصية ص13-14)

[2] جاء هذا كرداً على سؤال من أحدهم للبابا حول إمكانية ان يقرأ صيغة الصلاة الربانية بصفة المفرد كأن يقول مثلاً (أبي الذى في السموات) بدلاً من (أبانا الذى ….).

[3] سنوات مع أسئلة الناس ج 8 ص88

[4] وذلك عند من يؤمن بأنه من الرسل السبعين وأنه شاهد يسوع وعاصر أقواله وأفعاله

[5] Origen, On Prayer 18.2

[6] يراجع: IGNTP Projects (Luke) & Swanson Projects (Luke & Matthew) & NA27-28 & UBS4th & Souter 1947 & Huck-Greeven13th

[7] The Implications of Textual Criticism for Understanding the ‘Original  Text’, Tommy Wasserman, p90

[8] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[9] The Text of The New Testament 4th, Bruce M. Metzger , p262

[10] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p309

[11] New Testament Text & Translation Commentary, Philip W. Comfort, p203

[12] Misquoting Jesus, Bart D. Ehrman, p97

[13] History of The New Testament in Plain Language, Clayton Harrop, p59

[14] The Reliability of The New Testament, Robert B. Stewart, p118

[15] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p2

[16] A Student’s Guide to New Testament Textual Criticism, Harold Greenlee, p75

[17] A Textual Commentary on The Greek Gospels (Luke), Wieland Willker, p301-305

[18] Apologetic Discourse and the Scribal Tradition, Wayne C. Kannaday, p212

[19] The Gospel Traditions in The Second Century, William L. Petersen, p48-49

[20] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p49-74

[21] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p15-37

[22] The Text of the New Testament – A short Intriduction, Vincent Taylor, p64

[23] A Textual Guide to the Greek New Testament, Roger L. Omanson, p130-131,

[24] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p53

[25] يراجع مقال الكاتب: النقد النصي وأثره في تعريف الوحي والعصمة –الجريدة النقدية– العدد الأول ص59-80

[26] لعل هذا ما جعل اكليمنضس السكندري يعدها من الكتاب المقدس!!! (Strom iv.17)

[27] رسالة فيلادلفيا الفصل السابع الفقرات 2،1

[28] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p69

[29] The making of the New Testament, Patzia, A. G., p135

[30] Origen, Commentary on John, 10:4

JBL v.113 N.2 p295 [31]  Written Gospels or Oral Tradition?, Helmut Koester,

[32] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p48

[33] لمزيد من الاستفاضة يراجع:

تكوين الأناجيل – الأب سيداروس اليسوعي – دار المشرق بيروت ص33

The Bible Knowledge Background Commentary, Craig A. Evans ,p18

[34] Two Gospels from One, Matthew C. Williams, p44

[35] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p47

[36] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p3

[37] كلمة (مصادرهم) مضافة لتوضيح السياق

[38] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[39] What is The Best New Testament?, Ernest C. Colwell, p56

[40] Luke, Craig A. Evans, p476 – Matthew, Davies and Allison 1988, p591

[41] النظرية الاعتذارية والمقدمة من قبل (أوريجانوس) والتي تنص على ان يسوع علم الصلاة في مناسبتين مختلفتين وبالتالي فإن كل إنجيلي نقل كلمات كل مناسبة، تلك النظرية مرفوضة من قبل أغلب العلماء حتى ان العالم (رايموند براون) اعتبرها نظرية غير جديرة بالاهتمام وتمثل حلاً مستحيلاً لعلاقة الأناجيل الإزائية فضلاً عن أن تطبيقها يعنى ان التلاميذ قد نسوا تعاليم الصلاة ومن ثم طلبوا تعلمها مرة أخري !! ( The Pater Noster as an Eschatological Prayer, R.E.Brown,p220-n5 )

[42] Luke, Darrel L. Bock, p1045

[43] كثيرون من العلماء يرون ان (لوقا) صيغته أفضل وأقرب للأصل (المصدر الذى ينقل عنه) نظراً لأنه من الصعب تخيل إقدام (لوقا) على حذف أجزاء من الصلاة الربانية بدون أسباب واضحة إذا كانت موجودة أصلاً أمامه، في حين يرى البعض منهم ان صيغة (متى) أفضل لأن (لوقا) من عادته اختصار مصادره، خلافاً لذلك فإن هناك نظرية مغايرة تماماً تقول ان هذا الاختلاف كان في مصدرهما أصلاً وليس من فعل الإنجيلين أنفسهم !! (يراجع New Testament Theology, J. Jeremias, 1971, p195)

[44] من المخطوطات اليونانية: 700, 162 ومن آباء الكنيسة: القديس غريغوريوس النيسى والقديس مكسيموس المعترف والعلامة ترتليان (او ماركيون)

[45] من المخطوطات اليونانية: 2730, 2715, 2693s, 2452*, 1348, 1253, 1228, 1060, 1050, 931, 740, 513, 418, 310, 225

[46] Revisiting The Corruption of The New Testament, Daniel B. Wallace, p50

[47] The Meaning of Inerrancy, Paul Feinberg, p301

[48] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p462

[49] Ibid , p463

[50] Historical Criticism and the Evangelical, Grant R. Osborne, JETS42, p203

[51] واحد من أشهر الأمثلة هو نص التثليث الشهير (متى) 28: 19 والذى يستخدمه البعض في إثبات وحدة الثالوث!! هل قاله يسوع حقاً حرفياً أم أن (متى) عدل في كلمات المصدر الذي بين يديه لأهداف معينة؟! (Derickson, TMSJ14 2003, p94) أم ان يسوع لم يقل ذلك أصلاً وإنما قام الإنجيلي بتركيب الصيغة برمتها !! (Petersen, TC List, Jan 2003). ولماذا تلك الصيغة مختفية تماماً في نص (مرقس) الموازي (الذى يعتبره العلماء زائفاً) والذي يقول ان تعبير يسوع لفظه هو: (اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها)، كذلك إذا كانت تلك الكلمات الهامة قد نقلت حرفياً عند (متي) فلماذا لم ينقلها (لوقا) او (يوحنا)!! يمكننا أيضاً القياس على ذلك قول إنجيل يوحنا (10: 30) على لسان يسوع: (أنا والآب واحد)، متسائلين هل قالها يسوع حرفياً ام ان الإنجيلي نقل ما فهمه البعض من ان يسوع قد قاله ؟!!!

[52] A Historical Introduction to The Early Christian Writings, Bart D. Ehrman, p489

[53] The Case for The Real Jesus, Lee Strobel, p73

[54] What is Redaction Criticism?, N. Perrin, p69

[55] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p31

المسار التاريخي لتأليه المسيح: قراءة في كتاب بارت إيرمان كيف أصبح يسوع إلها How Jesus Became God

ياسين اليحياوي[1]

كيف أصبح يسوع (عيسى) إلها، تمجيد واعظ يهودي من الجليل[2]، How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee هو عنوان الكتاب الأخير للباحث الأمريكي بارت إيرمان Bart D. Ehrman، المُتخصص في الدراسات حول تاريخ المسيحية المبكرة والنقد النصي للعهد الجديد، وأستاذ الدراسات الدينية بجامعة تشابل هيل بكارولاينا الشمالية. صدر الكتاب في الخامس والعشرين من مارس 2014، ويقع في 416 صفحة للنسخة الورقية، و307 صفحة للنسخة الإلكترونية[3]. واستطاع دخول لائحة أكثر الكُتب مبيعا لشهر أبريل لمجلة نيويورك تايمز[4]، كما أثار جدلا واسعا داخل أوساط المُحافظين، فاقت الضجة التي صاحبتْ كتاب رضى أسلان[5]  Reza Aslan، ولا أدل على ذلك من إصدار كتاب في الأسبوع نفسه لصدور كتاب بارت إيرمان، يحمل عنوان: “كيف تحول الإله إلى يسوع: الأصول الحقيقة للإيمان بالطبيعة الإلهية ليسوع، ردا على بارت إيرمان”[6]، بالإضافة إلى مجموعة من المُناظرات والمُراجعات المبثوثة على القنوات والمواقع الأمريكية.

تتمحور فكرة الكتاب الرئيسية في التتبع التاريخي لصورة يسوع من القرن الأول إلى القرن الرابع الميلادي وتحديداً سنة 325م وهي السنة التي تم فيها عقد مجمع نيقية لإرساء أسس العقائد المسيحية الرسمية بما فيها صورة وطبيعة المسيح، وكيف استطاع نبي من الجليل ذو خلفية يهودية حُكم عليه بالموت من طرف الامبراطورية الرومانية أن يتحول من إنسان إلى ابن الله مُساو للآب في الجوهر، يستكشف بارت إيرمان المُتخيل الذي رسمته الجماعات المسيحية الأولى عن يسوع بعد حادثة الصلب، وقصصهم عن القيامة من الموت، وهي الروايات التي تم تأويلها لاحقاً إلى أن صارت دليلا على ألوهيته.

إن الإطار النظري الذي ينطلق منه بارت إيرمان في كتابه الأخير، وفي مُجمل أطروحاته، يعتمد بالأساس على مجموعة من الفرضيات الحديثة التي وسمتْ البحث الأكاديمي الغربي حول تاريخ المسيحية المُكبرة، وتحديداً الجدل حول إشكاليتين كبيرتين كان لهما الأثر البالغ في توجيه البحوث الحديثة، وهما: إشكالية ثنائية أرثوذكسية/هرطقة وإشكالية المسيح التاريخي. فبخصوص الأولى كانت نظرية والتر بور Walter Bauer التي عرضها في كتابه الأرثوذكسية والهرطقة في المسيحية المبكرة Orthodoxy and Heresy in Earliest Christianity سنة 1934م، بمثابة نقلة ثورية تم فيها إعادة النظر حول الصورة الرسمية التي روجتها الكنيسة طيلة قرون من الزمن، مُدافعة فيها عن أصالة تعاليمها ومعتقداتها بإرجاعها تاريخيا إلى الرسل أنفسهم الذي عاشوا مع يسوع، وأن عقائد الهراطقة هي زيغ بعض المسيحيين عن التعاليم الصحيحة، غير أن أطروحة والتر بور أثبتتْ العكس؛ مؤكدة أن بعض التعاليم التي وُصفتْ بالهرطقة كانت هي الشكل الأقدم والأكثر أصالة للمسيحية، وفسر بور نجاح الأرثوذكسية بتفوق أتباعها وتمكنهم من الوصول إلى الحُكم بعد المُصالحة التاريخية التي قام بها الإمبراطور الروماني قسطنطين، فأعادت الجماعة المُنتصرة كتابة التاريخ وفرضت آرائهم كتعاليم أصيلة، وهي الأطروحة التي دافع عنها بارت إيرمان في إحدى كُتبه، وناقش فيها منهجية والتر بور[7]. أما إشكالية المسيح التاريخي فقد عرفت ثلاث محطات تاريخية مُهمة ساهمت كل واحدة منها في بلورة النتائج النهائية للأبحاث، انطلقت الأولى مع رايماروس H. S. Reimarus سنة 1778[8]، وأما الثانية فقد تزعمها كل من ألبرت شويتزر A. Schweitzer ورودولف بولتمان R. Bultmann وانتهت باعتبار المسيح مُجرد نتاج للجماعات المسيحية المُبكرة ولا علاقة له بالمسيح التاريخي الذي حاول ألبرت شويتزر رسم معالمه من خلال التعاليم الإسكاتولوجية للمسيح، بل ذهب بولتمان وأتباع مدرسته إلى القول باستحالة إيجاد المسيح التاريخي داخل نصوص العهد الجديد[9]. في ظل هذا النزاع ظهرت المرحلة الثالثة من الأبحاث حول المسيح التاريخي، والتي انطلقت مع مجموعة من العلماء على رأسهم روبرت فنك Robert W. Funk وجون دومينيك كروسان John Dominic Crossan  اللّذين أسسا جمعية تحت اسم “ندوة يسوع” Jesus Seminar سنة 1985، فأعطوا بذلك شحنة جديدة وبُعداً آخر للأبحاث، خصوصاً مع الاكتشافات المُتوالية للعديد من المخطوطات التي تعود للقرون الأولى للمسيحية، فظهرت بذلك مئات المُحاولات لمتخصصين أكاديميين -سواء داخل جمعية ندوة يسوع أو خارجها- لتحديد صورة يسوع التاريخي[10]، وهنا تبرز أعمال بارت إيرمان باعتباره واحداً من أبرز المُدافعين عن صورة يسوع النبي الإسكتولوجي eschatological Prophet أو النبي الرؤيوي Apocalyptic Prophet، الذي تتمثل مُهمته بالدرجة الأولى في تحذير الناس من النهاية القريبة والمُروعة للعالم، وقد عرض هذا التصور في كتاب له بعنوان: Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium[11].

بهذا العرض المُقتضب للإطار النظري، نستطيع الوقوف على السياق العام الذي ناقش من خلاله بارت إرمان أطروحة “المسار التاريخي لتأليه المسيح” في كتابه الحديث، من خلال الإضافة اللاحقة للطبيعة الألوهية على يسوع، والتي تبلورتْ بشكل أكثر نُضجاً منذ أواخر القرن الأول إلى أن استقرت في صورتها النهائية مع بداية القرن الرابع، وأيضا من خلال البحث في تعاليم وأقوال يسوع نفسه، مُدافعاً في ذلك عن الصورة التي رسمها في العديد من أبحاثه عن مهمة يسوع كنبي رؤيوي.

استهل بارت إيرمان كتابته الذي يقع في تسعة فصول، بمقدمة يعرض فيها الدافع الذي جعله يُقدم على تأليف هذا الكتاب، وبعيداً عن طابع تشويق القارئ، فإن الفكرة المحورية للمقدمة -والتي استخدمها أيضا في بعض كتبه[12]– هي محاولة بارت اثبات التعارض بين اللاهوت والتاريخ، بين دراسة المسيحية من مُنطلق لاهوتي، ودراستها من مُنطلق علمي تاريخي، وهنا يضع عنوان كتابه داخل هذا السياق، إذ أن المُهتم باللاهوت يبحث عن الكيفية التي أصبح بها الإله إنساناً، بينما المؤرخ يسأل: كيف أصبح الإنسان إلهاً.

وفي الفصلين الأول والثاني وعنوانهما: الإنسان المقدس في اليونان القديمة وروما والإنسان المقدس في اليهودية القديمة، يُحاول بارت إيرمان عرض الإطار التاريخي والسوسيولوجي الذي نشأت فيه المسيحية، من خلال البحث في مفهوم الألوهية عند الشعوب القديمة، فسواء بالنسبة للمسيحية المبكرة وأيضا اليهودية والوثنيين في الإمبراطورية الرومانية، لم يكن لديهم في منظومة الأفكار الدينية، حد فاصل بين العالم المقدس (مملكة السماء: عالم الإله، أو عالم الآلهة) وبين عالم البشر، فهُناك العديد من نقاط التماس بين العالمين وتواصل دائم بينهما، يمكن من هذا المُنطلق الحديث عن الإنسان المقدس أو المؤله من خلال منظورين، الأول: عن طريق الاختيار، وذلك بأن يختار الإله أحد البشر (ملك، كاهن، مُحارب) ليضمه إلى صفوف الآلهة، الثاني: عن طريق التجسيد، بأن يتجسد كائن مقدس (أحد الآلهة، مَلَك) في صفة إنسان، وهذا ما نجده حاضراً في نصوص العهد الجديد، فإنجيل مرقص يعتمد الطريقة الأولى ويروي لنا قصة المسيح الإنسان الذي تحول إلى إله، بينما يعتمد إنجيل يوحنا الطريقة الثانية مُصوراً المسيح كإله منذ البدء وقبل خلق العالم ثم نزل إلى الأرض وتجسد في إنسان، وبالتالي نُلاحظ أن كلا من مرقص ويوحنا يصل في الأخير إلى رفع يسوع إلى مرتبة الألوهية لكن من منطلقات مُختلفة.

وبالرجوع إلى الأفكار الدينية عند اليونان والرومان، فإن التداخل بين عالم الآلهة وعالم البشر يبدو أكثر جلاء لكل مُطلع على الأساطير القديمة، سواء في نزول أحد الآلهة إلى عالم البشر، أو في صعود أحد البشر إلى عالم الآلهة. لم يكن هذا التحول والانتقال بين العالمين فجائيا، إذ يُحدده بارت إيرمان باعتماد نموذج هرمي يتم فيه الانتقال بين العالمين بشكل تدريجي[13]، فعلى قمة الهرم يوجد دائما إله قوي، الخالق والمُتحكم في كل شيء، ثم نجد طبقات أخرى من الآلهة أقل قوة ومكانة. أما بخصوص الحديث عن الديني اليهودي الذي يؤمن بإله واحد مطلق، فإن التداخل بين مملكة السماء وعالم البشر يبدو أصعب تحديداً، لكن مع ذلك يرصد بارت إيرمان نقاط تواصل عديدة، مشيراً إلى أن الفكر اليهودي استبدل الآلهة بكائنات مقدسة، كالملائكة والكيروبيمات والسفنكوسات[14]، ففي القرن الأول ميلادي آمن اليهود بإمكانية الانتقال بين العالمين كأن يتحول أحد البشر إلى ملاك، وبالتالي فإن إعطاء صفة القدسية وأحيانا الألوهية لأحد الشخصيات الهامة في الفكر اليهودي يندرج داخل هذا السياق. وهذا كان التصور السائد في العصور القديمة وأيضا في الفترة التي شهدت ميلاد المسيحية، غير أن القرن الرابع الميلادي شهد تغيراً لافتاً، ففي خضم انتقال العالم الروماني من الوثنية إلى المسيحية، عبَّر العديد من الفلاسفة الوثنيين عن وجود فج عميق بين العالم المقدس وعالم البشر، إذ لا وجود إلا لإله  واحد قوي، وتم بذلك الابتعاد عن الإيمان بوجود هرم الآلهة الذي يربط العالمين[15]، وبالرجوع إلى نشأة المسيحية فإن يسوع أيضا تم إدخاله حسب المُتخيل الشعبي في القرن الأول من الميلاد إلى هرم الآلهة، واختلفتْ مرتبته في هذا الهرم وارتقاؤه فيه حسب معتقد كل جماعة، لكن زوال مفهوم الهرمية في الفكر الروماني الوثني في مُستهل القرن الرابع الميلادي وتزامنه مع وضع أول قانون للإيمان المسيحي، أدى إلى تحول يسوع من عُضو داخل هرم الآلهة، إلى الإله نفسه المُساو له في الطبيعة، وفي هذا السياق يعرض بارت إيرمان نقطة جوهرية تتمحور حول أن البحث في ألوهية يسوع يجب أن لا ينطلق من الصورة التي رُسمتْ له في القرن الرابع الميلادي التي تميزت بكسر هرم الآلهة ورسم تصور كوسمولوجي جديد يتكون من إله مطلق وبشر عاديين، فيسوع أصبح إلها في القرن الرابع الميلادي حسب التصور الأرثوذكسي، وهذا المفهوم يختلف تماما عن نظيره في القرن الأول، وبالتالي عندما نحاول البحث عن الكيفية التي أصبح بها يسوع إلها يجب إعادة صياغة سؤال البحث كالتالي[16]: داخل أي منظور آمنت الجماعات المسيحية المبكرة بأن يسوع إله، إذا كانت مملكة السماء تتكون من هرم الآلهة.

بعد عرض مفهوم الألوهية والالتقاء بين العالمين في الموروث الديني اليهودي والروماني، ينتقل بارت إيرمان في الفصل الثالث المُعنون بـ: هل اعتقد يسوع بأنه إله؟، إلى الحديث عن يسوع التاريخي، مؤكدا من خلال سياق أقواله وأعماله أنه نبي رؤيوي حذر الشعب اليهودي من نهاية العالم، لكن هل من بين تعاليمه نستطيع الوقوف على جانب من الكشف عن الطبيعة الإلهية ليسوع؟ يُجيب بارت من خلال مُناقشة مجموعة من النصوص في إنجيل يوحنا[17] إلى أن يسوع ليس هو الآب، مع أنه وضع نفسه على قدم المُساواة معه، غير أن جميع هذه الأقوال المنسوبة إلى يسوع في إنجيل يوحنا لا تصمد أمام أي معيار من معايير النقد التاريخي، فيصعب بالتالي الجزم أنها أقوال أصيلة، خصوصا وأنها دُونتْ فقط عند يوحنا، فالعديد من المصادر الأقدم تاريخيا من هذا الإنجيل كرسائل بولس وإنجيل مرقص والمصدر Q وإنجيل متى ولوقا لم تتحدث عن يسوع بهذه الصورة. ما يؤكد أن هذا التقليد حول ألوهية يسوع يرجع إلى لاهوت جماعة يوحنا وليس إلى يسوع نفسه[18]، وقد استعرض بارت إيرمان في هذا السياق مجموعة من النماذج في التاريخ اليهودي لأناس تم تقديسهم والرفع من مكانتهم في مرحلة سابقة عن الزمن الذي عاشوا فيه، وهذا بخلاف ما كان سائدا عند الحضارات المُجاورة، ففي مصر كان الفرعون يُعلن نفسه إلها، وكذلك الشأن بالنسبة للإسكندر المقدوني وأغسطس وآخرين، أما بالنسبة لليهودية فإن تمجيد الأنبياء والملوك كان من عمل الأتباع الذين جاؤوا بعدهم.

أما الفصل الرابع: قيامة يسوع: ما لا يُمكننا معرفته، والفصل الخامس: قيامة يسوع: ما يُمكننا معرفته، فقد خصصهما بارت إيرمان للحديث عن قصة القيامة، فإيمان المسيحيين الأوائل بأن يسوع قام من بين الأموات شكل الحدث الرئيسي الذي ساهم في رسم المعالم الأولى لألوهية المسيح، ويبدو واضحاً أن الأناجيل الأربعة اتفقت على سرد هذا الحدث، وكانت الإشارة إلى القبر الفارغ دليلا على أن القيامة لم تكن بالروح فقط بل أيضا بالجسد. ومع توالي الأحداث والظهورات ليسوع بين العديد من الأتباع انتشرت التأويلات المُتفرقة، فيسوع في آمالهم هو ملك إسرائيل ابن الله[19]، وهو أيضا المُخلص المتألم، وهو السيد في نظر الأتباع الأوائل، فارقهم بعد أحداث الصلب ليجلس عن يمين الآب، فكل هذه الألقاب في المُتخيل الشعبي تم ربطها بنصوص العهد القديم، فمثلا في سفر المزامير نقرأ: “يقول الأزلي لسيدي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ”[20]، فمن سيكون السيد في هذا النص غير يسوع، وها قد صدق وعد الإله بأن جعله ملكاً ليس على إسرائيل فقط بل في مملكة السماء، فتحقق بذلك أن كان يسوع هو ابن الله الحقيقي، وهكذا بدأت عمليات التأليه داخل هذا السياق، وهو تأليه لا يزال في مراحله الأولى ولم يبلغ بعدُ طوره النهائي[21]، واللافت للانتباه من خلال النصوص الكرستولوجية الأولى أن يسوع لم يكن مُساويا للآب في الجوهر والطبيعة، فهو فقط الشخص الذي أعطاه الآب مكانة قدسية أعلى من مكانة البشر.

لا ترجع النصوص الأولى للمسيحية إلى أي من أتباع يسوع المقربين، فلم يكن رواة الأناجيل شهود عيان ولم يتم تدوين أولى الشهادات إلا بعد سنوات عديدة. لماذا إذن لم يدون الأتباع الأوائل قصتهم مع يسوع؟ يُجيب بارت إيرمان على هذا التساؤل في الفصل السادس: بداية الكريستولوجيا: المسيح المُمجد في السماء، من خلال الإشارة إلى أن أغلب هؤلاء الأتباع كانوا ينتمون من الناحية الاجتماعية إلى طبقة الفقراء والفلاحين والجليليين القادمين من الأرياف، فكان بالتالي احتمالية إتقانهم للقراءة ضعيفة جداً ناهيك عن الكتابة، بالإضافة إلى التأكيد على أن الهاجس الإسكتولوجي ظل مُصاحباً للرسل الاثني عشر ولباقي الأتباع الأوائل، فلم يهتموا بتدوين تعاليم يسوع أو كتابة حياته ليقينهم بالاقتراب الوشيك لنهاية العالم. وكانت المُشافهة هي الطريقة الوحيدة لنقل قصة يسوع للمؤمنين الجُدد، وظل هذا التراث الشفهي ينتقل من شخص لآخر ومن ثقافة لأخرى إلى أن تم تدوينه بعد سنين عديدة في أولى نسخ الإنجيل، وفي هذا المعرض يطرح بارت إيرمان فرضية جدلية عن الشكل الذي سيكون عليه إنجيل كتبه شاهد عيان أو أحد أتباع يسوع المقربين فإنه حتما سيكون مُختلفا بشكل جذري على الأناجيل التي لدينا وعن التصور الرسمي للكنيسة حول طبيعة المسيح. هذا الإنجيل الافتراضي سيحتوي على التعاليم الأخلاقية ليسوع، كما سيحتوي أيضا على رحلاته من قرية إلى أخرى يُحذر فيها الناس من اقتراب نهاية العالم ويحثهم على التمسك بالوصايا.

يُعالج بارت إيرمان في الفصل السابع: يسوع كإله في الأرض: كرستولوجيا التجسد المبكرة، بداية تشكل الكريستولوجيا المسيحية في النصوص الدينية الأولى للعهد الجديد، حيث كان الإيمان الشعبي يُنزل يسوع منزلة أرفع من باقي البشر، وحتى لو تم اعتباره ذو طبيعة إلهية، فهي تندرج داخل سياق الآلهة الأقل مكانة من الإله المُطلق، يُمكن تلخيص هذا الإيمان بالصيغة التالية: “يسوع إله لكنه ليس الآب”، ومع ذلك حافظت المسيحية على مكانتها كدين توحيدي يؤمن بإله واحد. لقد شهدت هذه الفترة سجالات عديدة حاولت إعطاء حلول لهذه المعضلة، وظهرت العديد من الأفكار والتعاليم لجماعات مسيحية مُختلفة، لكن في الأخير لم يستطع سوى فريق واحد أن ينتصر في هذه المعركة، ويجعل من آرائه الدين الرسمي للمسيحية، واصفاً آراء الآخرين بالبدعة والهرطقة والخروج عن تعاليم يسوع الصحيحة.

في الفصل الثامن وعنوان: بعد العهد الجديد: الطريق المسدود للكرستولوجيا في القرن الثاني والثالث ميلادي، ينتقل بارت إيرمان إلى الحديث عن ثنائية أرثوذكسية/هرطقة، فوصف تعاليم جماعة مُعينة بأنها هرطقة أو بدعة يقتضي أمرين، الأول: وجود الوجه المقابل للهرطقة وهو التعليم الصحيح أو الأرثوذكسي، والثاني: أسبقية التعليم الصحيح عن التعليم الخاطئ الهرطوقي. إن هذا الاستعمال هو رهين النطاق اللاهوتي، إذ أن الكنيسة الرسيمة التي انتصرت في معركة الآراء والعقائد، وصفتْ آراء كل المُخالفين بأنها هرطقة وبدعة، أما داخل سياق البحث التاريخي فإن الأمر مُختلف تماماً، لقد سبق وأن أشرنا في مقدمة هذه القراءة أن عمل والتر بور أعاد الجدل حول هذه الثنائية إلى سياقه التاريخي، وفي هذا الفصل أكد بارت إيرمان -من خلال مُناقشة العديد من النصوص- على أسبقية العديد من التعاليم التي وُصفت بالهرطقة على التعاليم الأرثوذكسية، وعلى أن كل الجماعات المبتدعة  في القرن الثاني والثالث والرابع ميلادي نشرت معتقداتها ودعتْ إليها إيماناً منها أنها التعاليم الصحيحة والأكثر أصالة. لقد ظهرت تعاليم تُحاول التأكيد على بشرية يسوع، وفي الجهة المُقابلة ظهرت تعاليم تؤكد أن يسوع هو الآب نفسه نزل إلى الأرض، وظهرت آراء أخرى تُحاول الجمع بين القولين باعتبار يسوع ذو طبيعة بشرية وإلهية في نفس الوقت، إلى غيرها من الآراء المُختلفة والمُتناقضة، والتي لم يكن مُحركها الأساسي حب الجدل، بقدر ما كان المحاولة المُستميتة لبلوغ الصورة الحقيقية للعبادة والتدين الصحيحين، فإذا توجب التوجه إلى يسوع بالعبادة، فهل يكون ذلك على أساس أنه الآب؟ أم أنه إله أقل من الآب مكانة؟ أم يتم إفراد الآب فقط بالعبادة؟ والإله الذي يُتوجه له بالعبادة هل هو خالق الكون أم أنه فرع آخر في هرم الآلهة؟ كلها إشكالات حاولت الجماعات المسيحية المبكرة أن تجد لها حلاً.

واحدة من هذه الإجابات فقط استطاعتْ أن تُمثل الرأي الرسمي الذي سينتصر ويسود بعد مجمع نيقية المُنعقد سنة 325، وهو ما تطرق إليه بارت إيرمان في الفصل التاسع: مفارقات الأرثوذكسية في الطريقة إلى نيقية من خلال بيان سياق انعقاد المجمع وطريقة الحسم في قانون الإيمان الأول، الذي تم فيه الانتهاء من رسم صورة يسوع الإله المُساوي للآب في الجوهر الأزلي والذي سيأتي في نهاية العالم ليُحاكم الأحياء والأموات، ويبدو جليا أن مسيح الإيمان كما هو مكتوب في قانون نيقية يُخالف تماماً بل ويتناقض مع صورة يسوع التاريخي.

ختاماً، كيف نستطيع تقييم حصيلة الفصول التسعة لكتاب بارت إيرمان داخل السياق الغربي؟ نستطيع القول إن الكتاب يكاد يخلو من أي إضافة نوعية فيما يخص جديد الأبحاث حول تأليه يسوع، وإشكالية البحث التي اشتغل عليها بارت إيرمان قد تم التطرق إليها بشكل أكثر دقة مما عرضه، ويُمكن الرجوع في هذا الباب للكتاب الأخير لـ: James D G Dunn[22] الصادر سنة 2010 وأيضا كتاب Larry W. Hurtado[23] الصادر سنة 2003 وكتاب [24]Wilhelm Bousset الصادر بالألمانية سنة 1913 والمُترجم للإنجليزية سنة 1970. غير أن الميزة الحقيقية لكتاب بارت إيرمان تتجلى في قدرته على نقل النقاش حول تاريخ المسيحية المبكر من داخل أسوار الجامعات إلى الرأي العام والمُجتمع بجميع فئاته ومرجعياته الفكرية. إن اللافت للانتباه في تتبع أثر الأبحاث الحديثة حول المسيحية على المجتمع الغربي في أوربا وأمريكا، أنها أبحاث تُخاطب فئات مُعينة لا تخرج عادة عن فئة الباحثين داخل الجامعات والمعاهد الأكاديمية، في حين يبقى التعليم اللاهوتي في معزل عن عرض هذه النتائج على المؤمنين سواء داخل المعاهد المُتخصصة في الدراسات اللاهوتية أو داخل الكنيسة، إلا إذا ما استثنينا بعض المُحاولات النادرة ككتاب الباحث الكاثوليكي ميير جون Meier P. John [25]. وفي هذا الإطار يذهب بارت إيرمان إلى أن حصر النشر في النطاق الأكاديمي يزيد من تعميق الفجوة بين الليبراليين والمحافظين، ويؤكد في أكثر من موضع من كتبه ومقالاته، أن نتائج البحث التاريخي في المسيحية لا تؤدي بالضرورة إلى نبذ الدين وتقويض العقائد المسيحية كما يُروج لذلك المُحافظون، بقدر ما أنها تكشف عن التعليم الأكثر أصالة ليسوع وأتباعه، وهذا التوجه هو ما جعل إيرمان يتوجه إلى إصدار كُتبه الثلاثة الأخيرة في واحدة من أكبر دور النشر في العالم HarperOne  عوض نشرها كما هو الحال بالنسبة لكتبه الأولى في جامعة أوكسفورد، وذلك في مُحاولة للاستفادة من القوة الترويجية الهائلة التي تتمتع بها دور النشر الكبيرة، حتى تتمكن فكرة الكتاب من الوصول إلى أكبر عدد من القُراء[1]، وقد استطاع الكتاب كما سبق وأن أشرنا في المقدمة أن يحتل المراتب الأولى في لائحة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعا، غير أن هذا الجانب الإيجابي في توسيع دائرة القراء، يعود أحياناً على المؤلف ببعض السلبيات، كتبسيط لغة الكتاب والتناول السطحي لبعض القضايا الحساسة. ورغم ذلك تبقى فكرة الكتاب مثيرة للاهتمام ومُحفزة للقراءة لكل الباحثين في تاريخ المسيحية المُبكر والمُهتمين بالتطور التاريخي لصورة يسوع في القرون الأولى.

مقال منشور في العدد الأول من المجلة 


الهوامش:

[1]– Ehrman, D. Bart. “How Jesus Became God: My Change of Direction.” Weblog post, Christianity in Antiquity: The Bart Ehrman Blog, 4 Apr. 2014. Web, 13 Apr. 2014, <http://ehrmanblog.org/how-jesus-became-god-my-change-of-direction.

[1]– باحث بسلك الدكتوراه، تخصص تاريخ الأديان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، المملكة المغربية.

[2]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee, USA: HarperOne, 2014.

[3]– تحديداً نُسخة Adobe Digital Editions صيغة Epub الصادرة عن دار النشر الرسمية HarperOne وهي النسخة التي تم اعتمادها في هذه القراءة.

[4]– “Best Sellers – Hardcover Nonfiction.” Nytimes.com. The New York Times, 7 Apr. 2014. Web. 13 Apr. 2014.

<http://www.nytimes.com/best-sellers-books/2014-04-07/hardcover-nonfiction/list.html>.

[5]– Aslan, Reza. Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth, USA: Random House Publishing Group, 2013.

[6]– Bird, Michael F., Craig A. Evans, Simon Gathercole, Charles E. Hill, and Chris Tilling. How God Became Jesus: The Real Origins of Belief in Jesus’ Divine Nature—A Response to Bart Ehrman, USA: Zondervan, 2014.

[7]– Ehrman D. Bart. Lost Christianities: The Battles for Scripture and the Faiths We Never Knew, USA: Oxford University Press, 2005, pp.172-180.

[8]– Mattéi, Paul. Le christianisme antique: De Jésus à Constantin, Franc: Armand Colin, 2011, p.54.

[9]– Ibid, p.55.

[10]– للإطلاع على مُختلف الرؤى التي صاغتها الأبحاث الجديدة حول المسيح التاريخي ينظر:

Giri, Jacques. les nouvelles hypothèses sur les origines du christianisme, France: KARTHALA, Ed.4, p.192.

[11]– Ehrman D. Bart. Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium, USA: Oxford University Press, 1999.

[12]– Ehrman D. Bart. Jesus, Interrupted: Revealing the Hidden Contradictions in the Bible (And Why We Don’t Know About Them), USA: HarperCollins, 2010.

[13]– Ehrman D. Bart. How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee, USA: HarperOne, Adobe Digital Editions version, EPUB file, 2014, p.36.

[14]– Ibid, p.68.

[15]– Ibid, p.39.

[16]– Ibid, p.40.

[17]– يُنظر: يوحنا 10/30، 14/9

[18]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God, p.96; Ehrman, D. Bart. Jesus, Interrupted, p.156-163.

[19]– ابن الله هو اللقب الذي كان يُطلق على ملوك إسرائيل

[20]– المزامير 110/1

[21]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God, p.157.

[22]– Dunn, D. G. James. Did the First Christians Worship Jesus?: The New Testament Evidence, USA: Westminster John Knox Press, 2010.

[23]– Hurtado, W. Larry. Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity, USA: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2003.

[24]– Bousset, Wilhelm. Kyrios Christos: A History of the Belief in Christ from the Beginnings of Christianity to Irenaeus, 1ST edition, USA: Nashville: Abingdon Press, 1970.

[25]– Meier, P. John. A Marginal Jew, USA: Knopf Doubleday Publishing Group, 2001.

صدور العدد الأول من المجلة لشهر ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ

Islamic mag_mockup
العدد الأول من مجلة “الدراسات الدينية” ديسمبر 2014 – صفر 1435هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقدم لحضراتكم العدد الأول من مجلة “الدراسات الدينية”
لشهر ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ

في هذا العدد:
• شخصية العدد: الدكتور أحمد شحلان
• مصاحف صنعاء – أحمد وسام شاكر
• تخريج حديث المرأة عورة – أحمد عبد المنعم السكندري
• النبي محمد ﷺ في عيون الغربيين المنصفين – حفيظ اسليماني
• جهود أبو عيسى الوراق في مقارنة الأديان – عبد الرحمن ن. الطوسي
• مشروعية تعدد الزوجات في الأديان السماوية الثلاثة – منير تومدن
• المسار التاريخي لإلوهية المسيح: قراءة في كتاب “كيف أصبح يسوع إلهاً” – ياسين اليحياوي
• موثوقية ومصداقية الكتاب المقدس تحت المجهر – أبو المنتصر شاهين
• الصلاة الربانية والكذب المقدس – أيمن تركي
• إشكالية قدسية ومركزية المعبد في الفكر الديني اليهودي – محمد زركاني

لتحميل العدد:
https://religmag.files.wordpress.com/2014/12/rsmag-issue1.pdf

نتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة.
======
للاقتراحات وإرسال مشاركاتكم يُرجى التواصل على البريد الإلكتروني للمجلة:
jrs_mag@yahoo.com

قواعد النشر في المجلة:
https://religmag.wordpress.com/publishing_policy