أرشيف التصنيف: العدد الثاني

المرأة اليهودية في التوراة والتلمود

جمال صوالحين [1]

يَلْزَم الحديث عن المرأة اليهودية في الموروث الديني اليهودي الانطلاق من التوراة باعتبارها مصدر أحكام اليهود وتشريعاتهم. والدراسة هنا تتناول النص التوراتي المتداول بمعزل عن الطرح القائل بصحة أو بعدم صحة ما ورد فيه، سواء من الناحية التاريخية أو الدينية. كما أن الاستشهاد بنصوص من التلمود من شأنه أن يوضح بشكل جلي مكانة ووضعية هذه المرأة في العهود القديمة للديانة اليهودية، وهي المكانة التي خضعت في جانب كبير منها لفُهوم الحاخامات اليهود وتأويلاتهم.

تبدأ التوراة الحديث عن المرأة لأول مرة – كما يرى فيليب حداد – Philippe Haddad من خلال رواية الخلق”[2]. إذ نقرأ ما يلي: “فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت”[3].

وقد رأت العقيدة اليهودية في هذه الفواسيق (الآيات) مبرِّرا للتهجم على المرأة، واتهامها بالاعوجاج ، وبتلك المكانة الدنيا والهامشية مقارنة بالرجل، لكونها خلقت من ضلع آدم ليس إلا.

وهذا الطرح القائل بكون حواء/ المرأة خُلقت من ضلع آدم أقرَّه العديد من المفكرين، مثل ألكسندر روسAlexander Ross الذي يرى أن “حواء خُلقت من ضلع آدم الأيسر، وكان هذا الضلع بمثابة الجانب الأضعف. لذلك وُصفت المرأة بالضعف وبالدونية” [4]. ولعل أبرز مثال على دونية المرأة ما يأتي في الصلاة اليومية التي يتلوها الرجل، إذ يقول: “مبارك أنت يا رب لأنك لم تجعلني لا وثنيا، ولا امرأة، ولا جاهلا. بينما تقول المرأة في هذه الصلاة: “مبارك أنت يا رب الذي خلقتني بحسب مشيئتك” [5] .

 والواقع أن نَعتُ المرأة بهذه الصفة (الضعف)، يتضح أكثر من خلال الإصحاح الثالث من سفر التكوين، حيث تُحَمِّل التوراة المرأة مسؤولية، بل خطيئة الأكل من الشجرة. فقد خلق الله آدم وحواء وأسكنهما الجنة، وسمح لهما بالأكل من ثمرها إلا الشجرة الموجودة في وسط الجنة، والتي يفضي الأكل منها إلى رُقِيِّ التفكير وانبثاق أغطية الجهل. لذلك نهاهما الله عن الأكل منها قائلا: “… هل أكلت (الخطاب موجه لآدم) من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟”[6]. فأجاب آدم: “المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت”[7]. فكان عقاب الرب لحواء- لأنها هي التي أغوت آدم- من خلال مخاطبتها: “تَكثِيرا أُكثِّر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود علي”[8]. وهكذا عاقب الله حواء[9] عقابا ثلاثي الأبعاد: أن تلد بالألم، لكن في رأيي لا توجد امرأة لا تريد الولادة خوفا من الألم، وكذلك الاشتياق للرجل، وأخيرا سيادة هذا الأخير عليها.

فالتوراة – حسب هذا الإصحاح – تَعتَبِر المرأة جنسا هشا قابلا للإغواء. فقد أغوت آدم، فأكلا من الشجرة المحرمة عليهما. وكانت بذلك سببا في غضب الرب، وإخراجهما، بل كل الإنسانية من الجنة. المرأة إذن أساس الخطيئة، وأساس كل مصيبة. وبسببها دخل الموت العالم. ولهذا عاقبها الله عقابا ثلاثي الأبعاد: الولادة بالآلام والأوجاع، والاشتياق للرجل، ثم سيادته عليها.

 وارتباطا بالولادة، وما يتصل بها من نجاسة، فرضت التوراة قوانين مشددة على المرأة الحائض والنفساء. وهي قوانين خاصة بالطهارة. ففي سفر اللاويين[10]، نجد أن المرأة الحائض محرمة على رجلها لمدة سبعة أيام. ونجاستها تلوث وتفسد الأشياء التي تجلس عليها. كما أن الرجل يصبح نجسا بمجرد ما يلامسها أو يمسك بالفراش الذي جلست عليه. هذه النجاسة تزول عن الرجل مع حلول المساء، كما أن الرجل الذي يجامع امرأة نجسة، يصبح هو الآخر نجسا لمدة سبعة أيام. وفي سفر اللاويين[11] أيضا، تكون المرأة نجسة بعد الولادة لمدة سبعة أيام في حالة ولادة مولود ذكر. وعليها أن تبقى ثلاثة وثلاثين يوما إضافية دون لمس أي شيء مقدس، أو تدخل أماكن مقدسة طوال هذه الفترة. وفي حالة ولادة الأنثى، تظل المرأة نجسة أربعة عشر يوما، ثم ستة وستين يوما إضافية، ما معناه ثمانين يوما على هذا الحال السابق. وهكذا “يصبح سن الإنجاب- كما ترى سوزان نيديتش Susan Niditch- شهادة على نجاسة المرأة. هذه النجاسة مصاحبة للحالات النفسية والبدنية التي تمر منها المرأة أثناء الحمل والولادة. وعلى هذا الأساس، تكون المرأة مصدر خطر وقوة ونجاسة كل شهر. نجاسة قد تنتشر، وتفسد كل شيء. جاعلة من الارتباط الديني بين الإنسان والله أمرا مستحيلا. ولهذا تبقى المرأة من وجهة نظر كهنوتية دون قيمة في أغلب مظاهر الحياة الدينية. وبعد كل هذا، هذه هي الثقافات التي تجعل من النساء القادرات على الإنجاب غير مؤهلات، وغير فاعلات في المجال الديني “[12].

وفي هذا الإطار، أشار سويلدر أيضا إلى أن “المرأة الحائض – ولتجنب أي تعامل معها – كانت تُنفى أحيانا إلى بيت يسمى »بيت الدناسة« طوال فترة المحيض”[13].

وحتى تتضح الصورة أكثر، أنتقل إلى عرض قصة من قصص النساء كما وردت في التوراة[14]، ثم محاولة استقراء ما تحمله من دلالات ومعان.

ففي سفر التكوين قرر أبرام – الذي سيصبح اسمه أبراهام فيما بعد- الهجرة إلى مصر مع زوجته ساراي بسبب المجاعة التي حدثت في فلسطين. وبعد عودتهما إلى فلسطين، لم تلد له بنينا لأنها كانت عاقرا. فقالت ساراي لأبرام: »هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة ، أدخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين«، فسمع أبرام لقول ساراي. فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له. فدخل على هاجر فحبلت، ولما رأت أنها حبلت، صغرت مولاتها في عينيها”[15]. فهذا النص يصور المرأة كأنها شيء غير جدير بالتقدير والاحترام، وما عبارة “صغُرت مولاتها في عينيها “إلا دليل على ذلك. كما أن ساراي جعلت من هاجر وسيلة لتحقيق مصلحتها “لعلي أرزق منها بنين”، مما يتنافى مع العبارة السابقة “وأعطتها لأبرام زوجة له”. وحين ولدت هاجر إسماعيل، أذلتها ساراي، فهربت. فخاطبها الرب قائلا: “ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يديها”[16]، ولم يخاطبها باعتبارها زوجة أبرام. كما أن أبرام هو الآخر لم يعترف بهاجر كزوجة، حين خاطب ساراي: “هو ذا جاريتك في يدك، افعلي بها ما يحسن في عينيك”[17].

المرأة اليهودية في التلمود[18]

      يوحي الاطلاع على فصول المشنا باعتبارها جزءً مهما من التلمود  على وجود اختلاف في النظرة إلى النساء، من خلال الحديث عن بعض النساء المستقلات، وأخريات خاضعات. وهذا التقسيم أشارت إليه جوديث رومي ويكنر Judith.R.Wegner  من خلال قولها إنه: “في الجانب الخاص بوضعية الأفراد، تقسم المشنا النساء إلى قسمين متناقضين: قسم خاضع، والآخر مستقل. وكل قسم يُقَسَّم هو الآخر إلى ثلاثة أجزاء ، تتحدد استنادا إلى طبيعة الرقابة الجنسية والوظيفة المفروضة على النساء”[19].

ومما لا شك فيه أن تقسيم النساء إلى هذين القسمين قد ارتكز على وضعيتهن الاجتماعية، وما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات، ونظم الطهارة. وفي هذا الصدد أشار جاكوب نوسنرJacob Neusner إلى أن “الرؤية الاجتماعية لليهودية المشنوية تشمل قضايا النوع Gender ، والبنية الاجتماعية، والغنى، والتعاملات الخاصة، فضلا عن نظام الطبقات الاجتماعية”.[20]

وهكذا، فالنساء الخاضعات هن: “البنت القاصر، والزوجة، والأرملة التي يتزوجها أخو المتوفى. أما النساء المستقلات فهن: البنت المحررة، والمطلقة، والأرملة العادية. وحتى يتضح هذا التقسيم أُورِد هنا بعض نصوص المشنا[21] التي تُعَلِّل ازدواجية هذه الصورة: خضوع واستقلال، أو بالأحرى الصورة السلبية، والصورة الإيجابية اللتين رسمتهما المشنا عن المرأة.

وبخصوص الجوانب الإيجابية، تتمتع المرأة مثل الرجل، بالاستقلالية في مباشرة خطبتها أو تعيين من يمثلها: “يخطب الرجل بنفسه، أو بمبعوثه، وتخطب المرأة بنفسها، أو بمبعوثها”[22].

وإذا قرر الزوج تطليق زوجته بسبب شَكِّه في زناها، فالمشنا تفرض وجود دليلين أو شاهدين على ذلك: “ومن ارتاب بزوجته: يقول رابي أليعيزر: إنه يرتاب بها بشهادة اثنين. ويسقيها بشهادة واحد”[23]. فالنص المِشنوي هنا يمنح للمرأة قيمتها المعنوية حين يعترف لها بهذا الحق أثناء الزواج.

وحتى إن تم الطلاق، فبإمكان المرأة أن تطالب بتعويض عنه، أو عن التَّرَمُّل. ففي فصل كتوبوت: “فإذا آمت المرأة، أو طلقت، وقالت للورثة أو للزوج: »تزوجتني بكرا«. وقال الزوج لها: »ليس كذلك بل تزوجتك ثيبا«، فإذا كان ثمة شهود يشهدون أنها خرجت في تخت روان حاسرة الرأس، فإن صداقها مئتا دينار”[24]. كما أن المرأة تنوب عن زوجها في بيع سلعه: “ومن نَصَّب زوجته مديرة لحانوت، أو عَينها ناظرة وصية، فله الحق في تحليفها اليمين متى شاء. يقول رابي أليعيزر: »حتى على مغزلها، وعلى عجينها«”[25].

لكن إذا انتقلنا لاستكشاف تلك الصورة السلبية، والحديث عن المرأة الخاضعة، نجد أن أخ الزوج المتوفى يرث الوظيفة الجنسية لأرملة أخيه، التي لا يمكنها الزواج حسب رغبتها: “فُرض على أكبر زوج أن يتزوج أرملة أخيه، فإذا رفض، عـرض زواجـها على جمـيع الإخوة علـى التـوالي: فإذا رفـضـوا، أُعيد العرض إلى الأكبر، فيُقال له: »عليك فرض، فإما خلع النعل[26]، وإما الزواج بأرملة أخيك«”[27]. وبهذا الخصوص ترى باسكين أن “شخصية هذه الأرملة بمثابة تضحية لوظيفتها الاجتماعية الجنسية. ولهذا، فالنظام المشنوي يربط بشكل مطلق الهوية الاجتماعية للمرأة بامتلاك جنسانيتها”[28].

كما تلقى المرأة معارضة في المجال الديني من طرف العلماء، إذ يمنع عليها هؤلاء دراسة التوراة: “يقول الرابي أليعزر: »كل من علم بنته التوراة، فكأنه علمها الدعارة«”[29]. فحِرمان المرأة من دراسة التوراة يعني حرمانها من الرأسمال الرمزي الذي يُكسبها سلطة ونفعا ماديا ومعنويا، في مستوى معرفة الدين وأموره. فلكون التوراة تشريع لواجبات وحقوق المرأة، فإن دراسة المرأة لها يُكسبها معرفة بحقوقها. إلا أن الرِّبِّيين يَحرمونها من ذلك حتى لا تستفيد من تلك الحرية “السلبية” كلما فكَّرت في الطلاق أو الشقاق. لكن علماء التلمود لم يُفكروا في الجانب الإيجابي في تعلم المرأة وتفَقُّهها، والذي سيجعلها تُسهم إلى جانب الرجل في سيادة الشريعة السماوية، ونشرها واستعمالها لجلب المنفعة للفرد والأسرة والمجتمع.

وفضلا عن هذه الصورة التي تجعل من المرأة مقيدة الحرية وخاضعة، يمكن ذكر مسألة أخرى، وهي أن قانون المشنا لا يخول للزوجة تطليق زوجها. فهذا الأخير هو الذي يُخَوَّل له هذا الأمر، لأسباب تجعل من المرأة بشكل عام عنصرا خاضعا لا يُسمح له حتى بالتحدث بحرية داخل منزلها، أو التمتع بقسط من هذه الحرية في الشارع، مما يجعل من التساؤل حول سبب فرض هذا القانون على المرأة دون الرجل أمرا مشروعا. ففي فصل كتوبوت، تُطَلَّق المرأة “… إذا خرجت فارغة الرأس، أو غَزَلت في الشارع. أو تحدثت مع أي إنسان… يقول رابي طرفون: »وكذلك كانت امرأة عالها«. ومن العالة ؟ كل من تكلمت داخل بيتها فسمع جيرانها صوتها”[30].

يتبين إذن أن إقبال المرأة المتزوجة على إصدارها لصوت عال ولو من داخل منزلها، سَيُعرضِّها للطلاق بحكم النص التشريعي الآنف الذكر. وهذا يجعل من اليهودية الرِّبِّية تتحكم في جسد المرأة وتَحُد من أنشطتها التي تجعلها محصورة داخل المنزل فقط. فالمرأة الفاضلة حسب اليهودية الرِّبِّية هي التي تقوم بواجباتها العائلية، والطبيعية خاصة (الولادة) مع منع صارم للاتصال بالرجال.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة


الهوامش:

[1] – أستاذ اللغة العربية وطالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص مقارنة الأديان. جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس- فاس. المغرب.

 Haddad Philippe, La Torah, Editions Eyrolles, 2010, p. 30-[2]

[3] – التكوين 2 / 21 – 23

[4]– Philips C . Almond, Adam and Eve in seventeenth centry thought, Cambridge University

     press, 1999,  p. 146

-[5] ورد هذا الدعاء في كتاب:- Leonard J. Swilder, Women in Judaism : The status of   women in Formative Judaism. Metuchen, NJ: Scarecrow Press, 1976, p. 80- 81 .

[6] – التكوين 3 / 11

[7] – التكوين 3 / 12

[8] – التكوين 3 / 16

[9] –  للإشارة فقد عاقب الله آدم أيضا حسب النص التوراتي، لكن ما يهمنا هنا هو التركيز على طبيعة العقاب التي أنزله الله على حواء.

[10] – اللاويون 15 / 19 – 24

[11] –  اللاويون 12 / 1 – 5

[12]- Judith R. Baskin,  Jewish Women in Historical  Perspective, Wayne State University Press, 1998,  p. 31.

[13]– Leonard J. Swilder, Women in Judaism : The status of   women in Formative Judaism,

     Metuchen, NJ: Scarecrow Press, 1976, p. 137.

[14] –   قد يُلاحظ القارئ ركاكة في الأسلوب، ناتجة عن الترجمة العربية لنسخة التوراة التي اعتمدتها.

1- التكوين 16 / 1 – 4

[16] – التكوين 16 / 9

[17] –  التكوين  16/ 6

[18] – في غياب النسخة العربية للتلمود، فقد اعتمدت بعضا من نصوصه من خلال النسخة الإنجليزية:

-Complete Talmud under the editorship of Rabbi. Dr. I . Epstein. B. A, Ph. D, D. lit – London

     The Soncino Press, (1935 – 1948).

[19]– Judith R. Baskin, Jewish Women in Historical  Perspective, By Wayne State University

      Press ,1998, p. 75.

[20]–  Jacob Neusner , An introduction to Judaism : a Textbook and Reader, West Minster John

     Knox Press, 1991, p. 176.

[21] – اعتمدت الترجمة العربية للمشنا من خلال كتاب: حمدي النوباني، “المشنا ركن التلمود الأول، النظام الثالث، نظام النساء”، ترجمة إلى العربية نقلا عن الأصل لعبرية المشناه، القدس، 1987.

[22] –  المشنا، قيدوشين، الفصل 2 : أ

[23] – صوطاه، الفصل 1 : أ

[24] – كتوبوت، الفصل 2 : أ

[25] – كوتوبوت، الفصل 9 : د

[26] – يتعلق الأمر بالطقوس التي يتخلص فيها المعني بالأمر بالزواج، من الأرملة بعد رفضه. إذ يذهب مع الشيوخ والمرأة إلى بوابة المدينة- وهي مكان المحاكمة القديم قبل إنشاء المحاكم- وأمام شيوخ المدينة تبصق الأرملة  في وجه أخ الزوج، وهي بذلك تبدي احتقارها الشديد له؛ لأنه رفض أن يقوم بواجبه تجاهها وتجاه أخيه الميت. ثم تَخلع حذاءه، فيُدعى اسمه في إسرائيل: بيت مخلوع النعل.

[27] – يباموت، الفصل 4: ه

[28] – رومي ويكنر، 1998، مرجع سابق،  ص 77.

[29] – صوطاه، الفصل3 : د

[30] – كتوبوت، الفصل7 : و

Advertisements

التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية

 أيمن تركي 

«أي تقليد يعتبر مزيفاً حتى تثبت صحته» (Richard T. France)

يحكي لنا الفيلسوف والمؤرخ البريطاني: برتراند راسل[1] كيف أن الخرافات كانت لديها المقدرة أن تنتشر بسرعة جداً كواقع تاريخي حقيقي بين المسيحيين المؤمنين إذا توافرت لها البيئة الصالحة لنموها ورعايتها وتعين سببها، ففي كتابة (الدين والعلم) يشرح لنا كيف أن الدوافع الاقتصادية كانت تستخدم من قِبَل الكنيسة للمتاجرة بمخلفات القديسين كمصدر دخل لها، ناقلاً تقليد إيمان الناس لقرون طويلة بقدرة عظام القديسة روزاليا المحفوظة فى باليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض قبل أن يكتشف أحد علماء التشريح أن تلك العظام ما هي إلا عظام ماعز ولا تمت للبشر بصلة[2] !!

هنا فإن (حاجة) المجتمع المسيحي في فترة ما كانت هى المحرك الرئيسي لنشأة التقليد الخرافة وتناقله، الأمر الذى أدى إلى ترسيخه كحقيقة وصار له كيان في التاريخ ولم يعد من السهولة إنكاره حتى ولو اكتشفنا أن أصله كان مبنياً على كذبة، وذلك لأن الخرافة لها المقدرة على التكيف نظراً للغتها الشفوية وتناقلها من فم إلى فم لذا فقد كان لدي تلك الخرافة القدرة الكافية للتضخم من فرد إلى اثنين إلى كل المجتمع[3]، حتى صارت الخرافة (حقيقة) تنتقل من جيل إلى جيل.

في بحثنا هذا سنرى باختصار أنه لا يختلف المجتمع المسيحي عبر عصوره عن التبلور الفكري والتاريخي حسب حاجة (المجتمع)، فإذا كانت لدى الكنيسة بتلك الفترة الرغبة في هالة دينية لها بعد اقتصادي خفي فإن الكنيسة الرئيسية القديمة والكنيسة الحديثة كانت لديها نفس الاحتياجات مع اختلاف الأبعاد والأسباب.

استمر في القراءة التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية

ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي)

هيثم سمير

مقدمة

دراسات الآبائيات هي حقل معرفي يعني بدراسة المسيحية عن طريق آباء الكنيسة، وتسمى بالباترولوجي تعريباً لكلمة Patrology المشتقة من (Pater) في اللاتينية وتعني (أب)، يسعى الدارسون من خلال دراسة نصوص أولئك الآباء إلى تتبع تاريخ المسيحية من حيث النشأة والتطور، وتاريخ العقيدة واللاهوت المسيحيين منذ الكنيسة الأولى مروراً بالعصور الوسطى إلى الحديثة، في مختلف المناطق الجغرافية مثل منطقة الشام وسوريا، وفي مصر القبطية، وفي شمال أفريقيا وفي أوروبا الشرقية والغربية، وأيضاً في آسيا. وتسهم أيضاً دراسة الآباء في دراسة الكتاب المقدس من حيث النص – فاقتباسات الآباء الأوائل من الكتاب المقدس والعهد الجديد خاصة، تعد من أهم مصادر النقد النصي – ومن حيث التفسير وأيضاً في دراسة قانون العهد الجديد. كما تسهم دراسات آباء الكنيسة أيضاً في مجالات معرفية أخرى خارج المسيحية، كتاريخ الفكر بشكل عام وفي دراسة تاريخ العصور القديمة والوسطى وفي دراسة الفلسفة خاصة، أغسطينوس وتوما الأكويني، وفي دراسة عصور النهضة وفي العلوم السياسة نظراً للصراع في العصور الوسطى بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة. ربما تساهم أيضاً نصوص الآباء في الدراسات اللغوية حيث توفر مادة مكتوبة كبيرة ومتنوعة بلغات شرقية وأوروبية عدة مثل القبطية والسيريانية والجورجية واللاتينية واليونانية.

نصوص الآباء في لغاتها الأصلية:

تعد أهم مجموعات نصوص الآباء في لغاتها الأصلية هي مجموعة Acta Sanctorum في 68 مجلداً، يُرتَب فيها القديسون المسيحيون حسب يوم الاحتفال بكل منهم، نُشر أول مجلداتها عام 1943م وآخر مجلد عام 1794م.

أما المجموعة الثانية، وهي تعد أكمل المجموعات بالرغم من احتوائها على كثير من الأخطاء المطبعية، هي مجموعة Patrologiae cursus completes أو (الأعمال الكاملة للآباء)، أشرف عليها جاك بول ماين Jacques-Paul Migne، واستغرق تجميعها 14 عاماً منذ 1841م وحتى 1855م.

تنقسم المجموعة إلى قسمين، الأول: Patrolrogia Latina وبها كتابات الآباء اللاتينية، وتتكون من 221 مجلداً، ويرمز إليها اختصاراً بــــ (PL). والقسم الثاني يحتوي على مجموعة كتابات الآباء اليونانية، ويتكون من 159 جزءاً، ويرمز إليه اختصاراً بــــ (PG).

هناك أيضاً مجموعة مهمة وهي Patrologia Orientalis وتحتوي على عدد كبير من كتابات الآباء الشرقيين بلغات عدة، مثل العربية، السيريانية، السلافية، الجورجية، الأرمينية، والقبطية. حررها ريني جرافان René Graffin وفرنسوا نو François Nau، وخرجت في 49 مجلداً في الفترة بين 1904م و1984م.

أهم الترجمات الإنجليزية لنصوص الآباء:

تعتبر أهم مجموعة لنصوص الآباء باللغة الإنجليزية هي مجموعة: A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church (مكتبة مختارة من كتابات آباء مجمع نيقية وما بعده)، وقد حررتها دار نشر T&T Clarck وأوكلت الإشراف على السلسلة الأولى منها إلى فيليب شاف Philip Schaff، والسلسلة الثانية إلى هنري ويس Henry Wace، كل سلسلة مكونة من 14 مجلداً، نشر أول مجلداتها عام 1886م وآخرها عام 1900م.

ومعها مجموعة آباء ما قبل نيقية، وقد صدرت أولاً باسم Ante-Nicene Christian Library (مكتبة الكتابات المسيحية السابقة لمجمع نيقية)، بتحرير ألكساندر روبرتس Alexander Roberts وجيمس دونالدسون James Donaldson، في الفترة ما بين 1867م و1873م، ثم أعاد الأسقف كليفلاند A. Cleveland Coxe نشر نسخة مراجعة منها عام 1885م، باسم The Ante-Nicene Fathers (آباء ما قبل مجمع نيقية).

من مجموعة الترجمات الإنجليزية المهمة الأخرى نجد مجموعة Library of the Fathers (مكتبة الآباء)، نشرها جون هنري باركر John Henry Parker وحررها إدوارد بوزي Edward Bouverie Pusey، وخرجت في 50 مجلداً في الفترة بين 1838م و1881م، لكن البعض عاب عليها الميول الكاثوليكية للترجمة.

من المجموعات الحديثة مجموعة Ancient Christian Writers (كُتَّاب المسيحية الأوائل) في 65 مجلداً لدار Paulist Press، وتنقسم إلى أربع مجموعات: مجموعة ما قبل نيقية، مجموعة عصر مجمع نيقية، مجموعة ما بعد مجمع نيقية، ومجموعة كتابات القديس أغسطينوس.

نصوص الآباء بالترجمات العربية:

تعتبر أشمل وأهم سلسلة للنصوص الآبائية باللغة العربية هي تلك الصادرة عن المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية، التابع لمؤسسة القديس أنطونيوس، نشرت أول أعدادها عام 1961، واستمر المركز في إصدار المزيد من الترجمات لنصوص الآباء حتى اليوم، مصدراً ما مجموعه 191 كتاباً.

هناك أيضاً سلسلة أقدم النصوص المسيحية من منشورات المكتبة البولسية، وخرجت في ستة سلاسل مقسمة تقسيماً موضوعياً: (سلسلة النصوص اللاهوتية: 6 أجزاء، سلسلة النصوص الليتورجية: 7 أجزاء، سلسلة النصوص النسكية: 3 أجزاء، سلسلة النصوص التقيظية: جزء، سلسلة النصوص الدفاعية: جزء، سلسلة نصوص متنوعة: جزء.)

أيضاً سلسلة آباء الكنيسة، وبها أيضاً كتابات عدد من آباء الكنيسة القبطية، ترجمها وأعدها أنطون جورج فهمي، نشر: كنيسة مار مرقس والبابا بطرس، عام 1992، وبها 35 مجلداً.

هناك أيضاً عددا من الترجمات المتفرقة لبعض كتابات الآباء مثل:

الخلاصة اللاهوتية، 5 أجزاء، بولس عواد، المطبعة الأدبية، 1908.
أوريجانوس الرد على كلسس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

تاريخ الكنيسة، يوسابيوس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، مكتبة مارجرجرس سبورتنج، 2014.

مقالات القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

مدينة الله للقديس أغسطينوس، 3 مجلدات، نقله إلى العربية: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، 2006.

في اللاهوت غريغوريوس النزينزي، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

تجسد الكلمة للقديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: ريمون يوسف رزق، المركز الثقافي القبطي الأرثوذوكسي.

الآباء الرسوليون:

نظراً للأهمية الخاصة لآباء الكنيسة أفضل عرض ما يخصهم من نصوص ودراسات بشكل منفصل.

مقدمة

يطلق لقب الآباء الرسوليين على مجموعة من الأشخاص يفترض أنهم كانوا على معرفة ما بالرسل لكن لم يكونوا منهم. أصل هذا المصطلح كان ’آباء العصر الرسولي‘، أطلقه للمرة الأولى المؤرخ الفرنسي كوتلييه J. B. Cotelier على أعمال خمسة من الآباء عام 1672. احتوى كتابه على أعمال كل من برناباس، إكليمنضس الروماني، هرماس، إغناطيوس وبوليكاربوس.  أصدر وليام ويك William Wake عام 1693 ترجمة إنجليزية للعديد من الوثائق تحت عنوان: “الرسائل الأصلية للآباء الرسوليين. The Genuine Epistles of the Apostolical Fathers” ثم جرت العادة فيما بعد على إضافة الرسالة إلى ديوجنيتوس مجهولة الكاتب إلى هذه المجموعة، بقايا كتابات بابياس (كان ذلك بعد عام 1883 حين صدرت أول ترجمة كاملة لها) والديداخي المسماة في المخطوطة تعليم الرب للأمم من خلال الرسل الاثني عشر.

مجموعة كتابات الآباء الرسوليين باللغة اليونانية

صدرت، نسخة يونانية نقدية، من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، أحد أكمل وأهم مكاتب الكلاسيكيات على الإطلاق، وقد صدرت في مجلدين بعنوان The Apostolic Fathers، حررها العالم الكبير كيرسوب ليك Kirsopp Lake، عام 1912/1913م.

هناك نسخة أيضاً للنص اللاتيني مصحوب بترجمة إنجليزية حررها وترجمها مايكل هولمز Michael Holmes، بعنوان The Apostolic Fathers: Greek Texts and English Translations، عام 2007.

وأيضاً هناك نسخة مميزة للعالم لايتفوت J.B. Lightfoot، بعنوان: Apostolic Fathers in Greek and English، وخرجت في مجلدين، يحتويان على النص اليوناني مصحوباً بترجمة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى الإنجليزية

صدر أيضاً من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، نسخة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين، ترجمها وعلق عليها العالم الشهير بارت إيرمان Bart Ehrman، بعنوان The Apostolic Fathers، في مجلدين عامي 2003 و2005، وهي تعتبر أفضل النسخ الإنجليزية لترجمات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى العربية

ترجمت كتابات الآباء الرسوليين ضمن سلسلة، الكتابات المسيحية الأصلية في السنوات المائة الأولى بعد العهد الجديد باللغة اليونانية والعربية، في سلسلة خاصة بعنوان: الآباء الرسوليون من 5 أجزاء، صادرة عن دار النشر الأسقفية، في الفترة بين 2011 و2015، وقد أوردت النص اليوناني الذي حرره مايكل هولمز Michael Holmes والذي ذكرناه مسبقاً، أما الترجمة إلى العربية فاعتمدوا على الترجمة الإنجليزية من الكتاب نفسه.

الدراسات الآبائية (الباترولوجي)

المراجع الإنجليزية:

رغم قدمها (1950م) تعد سلسلة Patrology لأستاذ الآبائيات الأبرز يوهان قواستن Johannes Quasten، التي أصدرها في أربعة مجلدات: (أ. من قانون الإيمان الرسولي حتى إيرينيئوس ب. كتابات ما قبل نيقية التالية لإيرينيئوس ج. من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية د. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اليونانية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية ه. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اللاتينية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية) أهم الدراسات الآبائية فقد دشنت عصراً جديداً لتلك الدراسات ولا يخلو أي عمل لاحق من الاعتماد عليها.

أما العمل القديم أيضاً والذي لا يقل أهمية، وهو مرجع أساسي لكل ما كتب عن الآباء في القرن الماضي هو كتاب Patrology: the lives and works of the fathers of the church (الباترولوجي: حياة وأعمال آباء الكنيسة)، لكل من أوتو وشاهان Otto & Shahan، 1908. وفيه تحليل عميق ومفصل لعدد كبير جداً من الآباء، وجميع ما استخدم من مراجع ومصادر متاحة الآن على الشبكة وهو ما يسهل عمل أي باحث يريد التوسع في دراسة أي أب من المذكورين في هذا المجلد القيم.

من ضمن المراجع الشاملة والمهمة أيضاً كتيب الباترولوجي A Hand book of Patrology لـــــ Tixeront، 1923.

من الكتابات الحديثة هناك الدراسة المميزة التي نشرتها دار نشر جامعة كامبريدج، لكل من فرانسيس يونج، لويس أيريس وأندرو لوث، بعنوان: The Cambridge History of Early Christian Literature، عام 2004. وبها دراسات للآباء مصحوبة بشرح للسياقات التاريخية والثقافية لكل منهم.

وأيضاً المقدمة الشاملة The Fathers of the Church: A Comprehensive Introduction، لــــ  Hubertus Drobnerترجمها للإنجليزية Siegfried Schatzmann، وقد وسعها وحدث ببليوغرافياتها كل من William Harmless, SJ, & Hubertus Drobner ، وصدرت عام 2007. وتجد فيها مقدمة لكل أب مع ببليوغرافيا مكثفة.

الدراسات الآبائية العربية
تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، 2008

مقدمة مختصرة لعلم الباترولوجي مع عرض وجيز جداً لعدد وافر من الآباء يعبر فيه الكاتب بشكل واضح عن أرثوذوكسيته في نظرته للآباء.
عادل فرج عبد المسيح، موسوعة آباء الكنيسة، 3 أجزاء، دار الثقافة

وهي دراسة أشمل وأوسع مدعمة بصور وخرائط وجداول وخالية من الدوغمائية في التعرض للآباء وبالتالي هي أفضل بكثير من مقدمة تادرس يعقوب ملطي.
أسد رستم، آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 1990

من أفضل ما كتب بالعربية. دراسة شاملة لعدد كبير من الآباء بمنهجية علمية معهودة عن الدكتور أسد رستم، ومزودة بعدد ضخم من المراجع الأجنبية المفيدة بلا شك لأي باحث يريد التوسع في دراساته.
أحد رهبان دير أنبا مقاريوس، دراسات في آباء الكنيسة، دار مجلة مرقص، 1999

دراسة مختصرة لعدد من آباء الكنيسة وبينهم عدد من آباء الكنيسة القبطية
حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، 3 مجلدات

من أهم ما كتب بالعربية في دراسات الفكر المسيحي، فهي دراسة ماتعة للفكر المسيحي يناقش فيها مواضيع وجوانب متعددة من الفكر المسيحي والفكر الآبائي.
كيرلس سليم بسطرس (مطران)، حنا الفاخوري (أب)، جوزيف العبسي البولسي (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 2001

دراسة قيمة واسعة تقدم دراسة لكل أب من آباء الكنيسة مع مختارات من كتاباته ومعتمدة على عدد كبير من المراجع الأجبنية.
د. نصحي عبد الشهيد (باترولوجيا Patrologia)، مدخل إلى علم الآباء، مؤسسة القديس أنطونيوس، 2000.

تحتوي على مقدمة لعلم الآباء، وسرد لأهم الكتابات الآبائية وأهم الترجمات الإنجليزية والفرنسية، مع عرض لبعض كتابات الآباء.

الآباء والعهد الجديد

الآباء ونص العهد الجديد

بجانب المخطوطات اليونانية واللاتينية والمخطوطات باللغات الشرقية للعهد الجديد، تعد كتابات الآباء من أهم مصادر دراسة نص العهد الجديد وانتقاله وقانونيته.

أهم الأعمال التي تناولت دراسة علاقة الآباء بنص العهد الجديد هو الكتاب الصادر عن جمعية أوكسفورد للتاريخ اللاهوتي، بعنوان The New Testament in the Apostolic Fathers (الكتاب المقدس عند الآباء الرسوليين)، عام 1905. في ذلك المجلد الذي أعده لجنة من أبرز علماء الدراسات الكتابية، تجد كل فقرة من كتابات الآباء الرسوليين تشير أو يُعتقد أنها تشير إلى أي من نصوص العهد الجديد، مصحوبة بنصها اليوناني، مع تحليل لكل فقرة وعرض لمعرفة كل أب بالعهد الجديد بشكل عام. وتقيم كل إشارة إلى نصوص العهد الجديد برمز (A, B, C,D)، فالرمز A يعني أن الفقرة الآبائية مقتبسة من العهد الجديد بلا أدنى شك؛ بينما D يعني أن النص لا يمكن اعتباره اقتباساً من العهد الجديد لشدة عدم وضوح الصلة بينهم.

بعد مائة عام من إصدار هذا العمل (2005) أصدرت أوكسفورد مجلداً آخر، بعنوان: The reception Of the New Testament in Apostolic Fathers (استقبال العهد الجديد عند آباء الكنيسة)، وشارك فيه عدد كبير من علماء الكتاب المقدس، قدموا دراسات وتحليلات عميقة للعلاقة بين نص العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين، مستفيدين من كل التطورات التي طرأت على علم الدراسات الكتابية في تلك السنوات المائة.

من أهم المواقع الإلكترونية النافعة في معرفة الاقتباسات الآبائية من العهد الجديد:

نجد سلسلة e-catena، التي تحتوي على تجميع لكل الإشارات إلى العهد الجديد في كتابات آباء ما قبل نيقية: http://www.earlychristianwritings.com/e-catena/

أما الموقع الأهم فهو موقع فهرس الكتاب المقدس، أو Biblia Patristica (الكتاب المقدس الآبائي) http://www.biblindex.mom.fr/ ، فيمكن بعد التسجيل في الموقع، اختيار أي نص من الكتاب المقدس، ثم يخرج لك الموقع كل الاقتباسات الآبائية لهذا النص، يمكن تحديد نطاق البحث حسب التاريخ أو اللغة، أو غيره.

الآباء وتفسير العهد الجديد

 من الدراسات المهمة نجد كتيب التفسيرات الآبائية Handbook of Patristic Exegesis، لتشارلز Kannengiesser, Charles، 2004. وفيه إشارة لكل التفسيرات الآبائية للكتاب المقدس.

من أهم مصادر التفاسير الآبائية هي سلسلة Ancient Christian Commentary on Scripture (التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس)، استخدمت التكنولوجيا الحديثة في جمع كل تفاسير الآباء لنصوص الكتاب المقدس، ثم تم تحريرها وجمعها وإضافة المقدمات والحواشي وخرجت في 29 مجلداً.

صدرت نسخة عربية موازية لتلك السلسلة وإن كانت ترجمت مباشرة من اللغات الأصلية وليس من الإنجليزية، أشرف على تحريرها الأب ميشال نجم، منشورات جامعة البلمند، 2004. للجزء الخاص بأناجيل، متى ولوقا ومرقس، وخرجت بعنوان: التفسير المسيحي القديم.

يعتمد أيضاً تفسير العهد القديم من الكتاب المقدس من تفسير وتأملات الآباء الأولين، لتادرس يعقوب ملطي، على عدد كبير من التفسيرات الآبائية وإن كان يضمها داخل التفسير بدون إشارة إلى مواضعها.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة       

الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين

ياسين اليحياوي 

 

1.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند أوغسطين

يُعتبر «أوغسطين» (354-430م) أول من استخدم مُصطلح “الخطيئة الأصلية”[1] مُقدّماً تفسيراً مُتكاملاً لجوانبها العقدية، من خلال الاعتماد على رسائل بولس[2]. ورغم وجود مجموعة من التفسيرات المسيحية في بدايات القرون الأولى، كما هو الشأن بالنسبة لـ”إيريناوس” (130-200م) أسقف ليون[3]، إلا أن القبول وأخذ الشرعية من طرف الكنيسة كانا من نصيب «أوغسطين».

اعتمد «أوغسطين» كركيزة في تبني هذه العقيدة، على ما كتبه بولس في رسالته إلى أهل رومية[4]، وتحديداً نص الإصحاح الخامس:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

ويظهر هذا المفهوم في كتابات «أوغسطين» عند مُحاولته تفسير عدل الله مع وجود الشر في العالم، فقد أدت مُجادلاته ونزاعه مع التيار الغنوصي إلى رفض منه لأي تفسير للإصحاح الثالث من سفر التكوين يزعم أن الشر أتى من العالم المادي[5]، وسبب هذا الرفض يكمن بالأساس في تحول «أوغسطين» من مذهب المانوية «Manichéisme»[6] إلى الدين المسيحي[7]. فالمذهب المانوي يؤمن بأزلية الخير والشر كأصلين للوجود، وهو ما يصطدم مع كمال الله، مما دفع بـ«أوغسطين» إلى الاعتراض على القول بأزلية الشر، والاعتراض على أن يكون أصله من العالم[8]، ولم يجد لوجود الشر تفسيراً إلا القول بدخوله إلى العالم بسبب خطيئة آدم، فقد اعتقد بأن الخَلْق أمر جيد، أما الشر فهو نتيجة لما فعله آدم بسبب حُريته[9]. فاضطر بالتالي إلى تبني عقيدة الخطيئة الأصلية لإزالة التعارض الذي تصوره بين عدل الله ووجود الشر.

في مُحاولته للتأصيل لهذا المُعتقد وتفسيره تفسيراً وافياً صاغ «أوغسطين» مجموعة من المقدمات، أُجملها في النقاط التالية:

  • التهويل من خطيئة آدم، كبداية للتمهيد إلى العقوبة القاسية التي ألحقت به وبذريته، وهو ما جعل «أوغسطين» يعتبرها أصل كل الشرور، إذ يقول: “خطيئة آدم كانت كبراً، لأنه اختار أن يعيش محكوماً بسلطته بدل أن يعيش تحت سلطة الحكم الإلهي، وكانت كفراً لأنه لم يؤمن بالله، وكانت قتلاً، لأنها تسبّبت في دخول الموت إليه، وكانت زنىً معنوياً، لأن روح آدم النقية قد أنصتت للتملق المُغري للحية، وكانت سرقة، لأنه مس الطعام الذي مُنع من تناوله، وكانت طمعاً، لأنه طمع في أكثر مما كان يكفيه، مهما أمعنا في حقيقة أي خطيئة فسنجد لها حضوراً في الخطيئة الأولى”[10].
  • ترتب عن الخطيئة أثران أولهما الموتالدائم، وثانيهما سُلب من الإنسانالإرادة على إتيان الخير وصار حُراً في إتيان الشر[11]، يقول «أوغسطين» في هذا الصدد: “فلا يحظى بالحرية نحو عمل المعروف، حتى يتحرر من المُنكر”[12]، فبعد أن ورثت ذُرية آدم الخطيئة الأصلية، حُرموا أيضاً الحرية في إتيان الخير حرمان أبويهما، “فتلوث هذا الإنسان بالذنب، حتى أثقل بالإضافة إلى الخطيئة الأصلية بحمل خطايا أخرى أتاها بنفسه بفعل الخطيئة الأصلية”[13].
  • جميع ذرية آدم تلوثت بالخطيئة الأصلية، ويشرح «أوغسطين» هذا الانتقال بشهوة الجسد[14]، فبالنسبة إليه كل مولود هو حامل للخطيئة الأصلية لأنه نتج عن لقاء جنسي[15]، وهو ما شرحه «أوغسطين» قائلاً: “جميع البشر، الذين ولدوا من آدم وامرأته التي أوقعته في الخطيئة، والتي شاركته في نيل العقاب، جميعهم تلوثوا بالخطيئة الأصلية”[16]، ويقول أيضاً: “جميع الناس الذين وُلدوا من آدم مُذنبون”[17].
  • إشكالية العدل والرحمة كان لها أثر كبير في بلورة عقيدة الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين، فلا يُمكن للإله أن يرحم بني آدم لأنه عادل ولا يغير قوانينه المُحكمة، وقد سبق أن قدّر عقوبة الموتعلى الخطيئة الأصلية، فلو غفر الإلهبدون أن يوقع العقوبة لكان ذلك متنافياً مع عدله. ومع اتصاف الإله بالعدل فهو أيضاً يتصف بالرحمة، فاتخذ حيلة تتم بها رحمته ولا تتنافى مع عدله، بأن يتحمل ذنوب جميع البشر شخص معصوم من الخطيئة الأصلية، يُعاقب بالموت ثُم يُبعث، لتكون العقوبة كفّارة عن الجميع، فاختار الإله “ابنه” ليُخلص البشر ويُكفر عنهم خطيئتهم الأصلية، يقول «أوغسطين» في ذلك: “محبة الله لا تُطفئ نار المعصية، ومحبته تأتي عن طريق يسوع المسيح الذي هو وسيط وشفيع بين الله والإنسان، والذي أفنى نفسه ليمنحنا الحياة الأبدية”[18].
  • لا ينال الخلاصمن الخطيئة الأصليةإلا الذين يؤمنون بالمسيح، وعلامة هذا الإيمان تتجلى في أداء طقس المعمودية، والذي يتعمد تُغفر خطيئته الأصلية ويُمنح حرية الإرادة من جديد[19]، وتُغفر كل خطاياه السالفة قبل التعميد[20]، ليستقبل حياته، فإن أخطأ عُوقِب على أخطائه يوم الحساب[21]، ودعا «أوغسطين» إلى تعميد الأطفال منذ ولادتهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فلن يتمتع برؤية ملكوت الإله[22].

وبهذه المقدمات يضع أوغسطين أسس عقيدة الخطيئة الأصلية وأساس الإيمان المسيحي، لتسير الكنيسة بعد ذلك خلف آرائه وتفسيراته، وسيتم الاقتصار على تمثلات كل من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت لعقيدة الخطيئة الأصلية كما أصَّل لها أوغسطين.

2.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند الفرق المسيحية

2.1. عند الكاثوليك

وضعتْ الكنيسة الكاثوليكية مذهبها في الخطيئة الأصلية وفقاً لما أقره «أوغسطين». فقد جاء في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: “فَقَدَ آدم القداسة والعدالة التي مُنحتْ له من الله بسبب خطيئته، وشمل ذلك جميع ذريته، فبالخطيئة الأولى نقل آدم وحواء الطبيعة الآثمة إلى ذريتهما، فحُرم نسلهم أيضاً من القداسة والعدالة، ويُسمى هذا الحرمان الخطيئة الأصلية”[23]. وفي النتائج المُترتبة على الخطيئة يقول الكتاب: “ونتيجة للخطيئة الأصلية ضَعُفت الطبيعة البشرية، وصارت رهينة للجهل والمُعاناة وهيمنة الموت والميل إلى الخطيئة، التي تنتقل عن طريق الشهوة”[24].

ويعتقد الكاثوليك أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب[25]، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وهو نفس ما ذهب إليه «أوغسطين»، فمُهمة المسيح هي تخليص الإنسان من ثقل الخطيئة الأصلية فقط، فإذا ما أتى الإنسان ذنباً بعد التعميد ناله العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، قد يصل إلى استحقاق العذاب الدائم إذا أتى بذنب يُخرج من الإيمان[26]. أما إن كان الذنب صغيراً، يدخل مُقترفه لوقت محدد في ذلك الجزء من جهنم الذي أُعِدَّ لتطهير المؤمنين من الذنوب ويُسمُّونه بالمُطهر (Purgatory) ، وبعد تطهرهم يدخلون الجنة[27]. جاء في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في حديثها عن المُطهر: “المُطهر هو حالة أولئك الذين يموتون في النعمة، ولكن لم يتم التأكد من خلاصهم الأبدي، إذ لا يزالون في حاجة إلى تطهير من أجل الحصول على نعيم الجنة”[28]، وفي الموسوعة الكاثوليكية الجديدة: “المُطهر وِفقاً لتعليم الكنيسة هو حالة أو مكان في العالم الآخر يستمر إلى يوم القيامة، توجد فيه أرواح أولئك الذين يموتون في حالة نعمة، ولكن لا يخلون من العيب والنقص (…) فيتم تنقيتها قبل الدخول للجنة”[29]، ودليلهم في تقرير هذا المُعتقد ما جاء في إنجيل مرقص:

“لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ وَكُلَّ ذَبِيحَةٍ تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ” [مرقص 9: 49]

أما فيما يخص الأطفال، تذهب الكنيسة إلى ضرورة تعميدهم، حتى ولو لم يرتكبوا خطيئة شخصية[30]، فهم بموجب توارث الذنب، يحملون خطيئة أبيهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فإنه لن يتمتع برؤية ملكوت الرب[31]، وتراجعت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الماضية عن موقفها تُجاه من مات من الأطفال ولم يُعمد، وأرجأت أمرهم إلى رحمة الله، فقد ذكر رأس الكنيسة الكاثوليكية «بندكت السادس عشر» حال الأطفال الذين ماتوا من غير تعميد: “أما بالنسبة للأطفال الذي ماتوا من غير تعميد، فإن الكنيسة في طقسها الديني تعهد بهم إلى رحمة الله”[32]. أما مُهمة المسيح فتكمن في تخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأصلية، ولا ينجو أحد بما في ذلك الأطفال، من عقاب الخطيئة الأصلية إلا بالتعميد.

2.2. عند الأرثوذكس

لا تختلف الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية  في تعريفها لعقيدة الخطيئة الأصلية عن الكنيسة الغربية الكاثوليكية إلا في بعض النقاط البسيطة، التي لا تؤثر على لازم العقيدة. ففيما تذهب الكنيسة الكاثوليكية إلى أن كل الجنس البشري مسؤول عن الخطيئة الأصلية، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تقصر المسؤولية على آدم وحواء فقط، وعوض القول بأن كل البشرية تتحمل خطيئة آدم كما بيناه عند «أوغسطين»، فإن الأرثوذكس يذهبون إلى أن الإنسان لا يولد مذنباً. ويبقى ما ورثه الإنسان من خطأ آدم وحواء: فقدان القداسة[33] ودخول الموت إلى طبيعته[34]، عُمدتُهم في ذلك ما ذكره بولس في رسالته الأولى لكورنثوس إذ قال:

“فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

وهكذا بدأ التحضير لتجسد ابن الإله -المسيح-[35] من أجل تصحيح الخطأ وتدمير عدو الإله وعدو الإنسان كما جاء في تتمة رسالة بولس:

“آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

يوضح العالم الأرثوذكسي  «Meyendorff»العلاقة بين آدم والمسيح، بأنها لا ترتبط فقط بالخطيئة التي أتى بها آدم والمغفرة التي جاء بها المسيح، وإنما بالموت والحياة/ فحيث أن الموت دخل للبشر عن طريق آدم، فإن الحياة تُمنح لهم عن طريق المسيح[36]، كما جاء في الترنيمة الأرثوذكسية الشهيرة: “المسيح قام من الموت، وطئ الموت بالموت، والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة”[37]، وكما يقول الأسقف الأرثوذكسي «Lossky»: “بنزوله إلى الجحيم وبقيامته، دمر الموت، الذي هو أجرة الخطيئة”[38].

وفيما يخص التعميد، تذهب الكنيسة الشرقية إلى أن الطقس بالنسبة للراشدين يُزيل كل الخطايا قبله[39]، واختلفت مع الكنيسة الكاثوليكية في معمودية الأطفال، إذ تعتقد أنهم يولدون بدون خطيئة، ولا تكمن مُهمة التعميد إلا في إعطائهم حياة أبدية جديدة مع آبائهم[40].

2.3. عند البروتستانت

وافق البروتستانت «protestants» على التفسير الذي أعطاه «أوغسطين» للخطيئة الأصلية، فقد جاء في كتاب “أصول التعليم المسيحي” لـ”مارثن لوثر” – مؤسس حركة الإصلاح البروتستانتي- أن الخطيئة الأصلية دخلت إلى البشر عن طريق آدم[41]، فأدت إلى الفساد الكلي للطبيعة البشرية[42]، وعند الحديث عن طبيعة الإنسان يقول: “إن الإنسان بطبيعته لا يخاف الله، ولا يحبه ولا يثق به، فهو ليس باراً بل يميل لعمل الشر”[43]، وهو نفس ما أشار إليه جون كالفين «Jean Calvin»، الذي أكد على الطبيعة الفاسدة للإنسان وحمله الخطيئة الأصلية منذ لحظة الولادة: “الخطيئة الأصلية انحراف وراثي وفساد لطبيعتنا انتشر في جميع أجزاء الروح، الأمر الذي يجعلنا عرضة لسخط الإله”[44]، وجاء في كتاب “اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية”: “منذ سقوط آدم جميع الناس وُلدوا بالخطيئة، إذ أن جميعهم مُلئوا في أرحام أمهاتهم بالشر والميل إلى الشهوة، ولا يستطيعون بطبيعتهم الفاسدة أن يُحصِّلوا الخوف من الإله والإيمان به”[45]. من خلال هذه الاقتباسات يتبين أن العقيدة البروتستانتية تتوافق مع ما ذهب إليه «أوغسطين» من توارث للخطيئة وفقدان للكمال والقداسة، وعدم قدرة إرادة الإنسان على فعل الخير.

أما عن التعميد، فيستأنف الكتاب – اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية – حديثه عن الخطيئة الأصلية مُشيراً إلى ضرورة التعميد، وأنه المُخلص من غضب الله الأزلي، إذ جاء فيه: “وعلاوة على ذلك فإن هذا المرض الوراثي والخطيئة الفطرية تؤديان إلى غضب الله الأزلي لجميع أولئك الذين لم يولدوا من جديد من خلال المعمودية والروح القدس”[46].

وفيما يتعلق بوسيلة الخلاص من الخطيئة فإن الكنيسة البروتستانتية تتوافق مع الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية في أن الخلاص لا يتحقق إلا بعد الإيمان بالمسيح والاعتراف بموته من أجل البشر، غير أن البروتستانت يجعلون الخلاص أشمل، إذ لا يقتصر فقط على الخطيئة الأصلية إنما يتعداه إلى سائر الخطايا الأخرى.

فإن كان مذهب «أوغسطين» ينص على أن التعميد والإيمان بالمسيح مُخلصاً يَجُبُّ الخطيئة الأصلية، ليستقبل المرء بعدها حياته مُتمتعاً بإرادته، مدفوعاً بضرورة العمل الصالح، فإذا أخطأ نال العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، فإن البروتستانت ينصون على أن الخلاص لا يحصل إلا بالإيمان وحده[47]، يقول «J. Lindhardt»: “يكمن الخلاف بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية في أن المذهب الروماني الكاثوليكي يرى أنَّ المرء يجب عليه أن يعمل الصالحات من أجل النجاة، في حين يكتفي لوثر بالإيمان فقط”[48]، وعُمدةُ البروتستانت في ذلك ما جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ”[49] [أفسس 2: 8-9]

وفي رسالته إلى رومية:

“إِذاً نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ” [رومية 3: 28]

فالعمل بالنسبة للوثر وأتباع كنيسته لا يُحقق الخلاص، ذلك أن “ذرية آدم لا تستطيع أن تخلص أمام الله بتقواها وورعها وأعمالها، إنما تُحقق الخلاص بالمسيح عندما تؤمن أنها تلقَّت الصلاح ومغفرة الخطايا بفضل المسيح، الذي بموته ارتحنا من خطايانا”[50].

فبعد هذا العرض لعقيدة الخطيئة الأصلية حسب الفرق المسيحية الثلاث، يتضح لنا وجود العديد من نقاط الاتفاق والاختلاف بينهم، ومن أجل الوقوف عليها بشكل أسهل، ضمَّنْتُها الجدول التالي:

الأرثوذكس الكاثوليك البروتستانت
الخطيئة الأصلية معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء
ما ترتب على الخطيئة الأصلية الموت (فقط) الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر
طريقة انتقال الخطيئة شهوة الجسد شهوة الجسد
الطريقة التي دبرها الإله من أجل التوفيق بين رحمته وعدله تجسد الابن تجسد الابن تجسد الابن
الإيمان بالمسيح شرط للخلاص شرط للخلاص شرط للخلاص
المعمودية دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص
الإيمان والعمل ضروريان ضروريان الإيمان وحده يكفي لتحقيق الخلاص

3.    سبب الخلاف بين الفرق المسيحية

3.1.  بين الكاثوليك والأرثوذكس

العامل الأساس في الاختلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس هو اختلاف تأويلهم للإصحاح الخامس من رسالة بولس لرومية، وتحديداً النص التالي:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

فقد ظهرت ترجمات مُختلفة للجزء الأخير من النص “إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”. يشرح John Meyendorff»[51» كيف أن الكنيسة الغربية ذهبت إلى اعتماد الترجمة التي تُفيد وقوع الجميع في الخطأ، وهو نفس ما اعتمد عليه «أوغسطين» في تأصيله لعقيدة الخطيئة الأصلية وانتقال الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن تلك الترجمة لا تُفيد المعنى الموجود في النص الأصلي، فالكلمات اليونانية الأخيرة من رومية 5: 12 «eph ho pantes hemarton» تُرجمت إلى اللاتينية بـ «in quo omnes peccaverunt» التي تُفيد انتقال الخطيئة إلى الجميع بسبب آدم، وتم اعتماد هذه الترجمة في الغرب مُستدلين بها على توارث الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن هذا المعنى لا يُمكن استخلاصه من الأصل اليوناني، “فالتركيب «eph ho» الذي هو تغيير لـ «epi» عند اتصالها بالضمير «ho»، لا يُمكن ترجمته بما يُفيد أن الجميع أخطأ في آدم، وهذا تتفق عليه جل المدارس الحديثة بشتى خلفياتها”[52].

فنتج بالتالي عن سوء ترجمة النص المؤسِس؛ خلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس عن النتائج التي ترتبت عنها الخطيئة الأصلية، إذ ذهب الكاثوليك بموجب الترجمة الخاطئة إلى أن ذرية آدم ورثت الخطيئة وفساد الطبيعة، أما الأرثوذكس ذهبت إلى كون الإنسان ورث الموت بسبب خطيئة آدم.

3.2.  بين الكاثوليك والبروتستانت

يرجع سبب الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت إلى مجموعة من النصوص المُتعلقة بالإيمان والعمل[53]، ففيما يذهب الكاثوليك إلى ضرورة الإيمان والعمل من أجل نيل الخلاص، نجد أن البروتستانت يكتفون بالإيمان، مُهملين أثر أعمال البر في نيل الخلاص. ويصعب التوفيق بين النصوص التي يستدل بها الكاثوليك مع نظيرتها التي يستدل بها البروتستانت، إذا أن كل مجموعة من النصوص تذهب لوضع تصور خاص حول طريقة نيل الخلاص.

فنقرأ مثلا في رسالة يعقوب كدليل على ضرورة الإيمان والعمل:

“تَرَوْنَ إِذاً أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ” [يعقوب 2: 24]

أما الرأي الآخر الذي يذهب إلى أن الخلاص يُنال بالإيمان من غير عمل فيستدلون بما جاء في رسالة بولس لأفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” [أفسس 2: 8-9]

فهذا الاختلاف بين النصوص -وغيرها كثير- انعكس على الفرق المسيحية، مما انعكس على نوع الخطيئة التي غُفرت بعد صلب المسيح، فجعلتها الكنيسة الكاثوليكية الخطيئة الأصلية وكل خطيئة فعلية قبل التعميد، بينما جعلها البروتستانت كل الخطايا ماضياً ومُستقبلا.

4.   خلاصة

بعد هذا العرض لمفهوم الخطيئة الأصلية عند أوغسطين وتمثلات الفرق المسيحية له، يُمكن وضع مجموعة من النتائج والاستنتاجات، يتجلى أهمها في الدور البارز الذي قام به» أوغسطين« في شرح الخطيئة الأًصلية كما تصورها بولس في رسائله. ورغم تأخره عن القرون الأولى للمسيحية، إلا أنه تفوق على أبرز علماء اللاهوت، كإيرناوس وغيره، مُجليَاً كل الغموض الذي اكتنف التفسيرات السابقة، ليُصبح ما ذهب إليه» أوغسطين« مُعتمَداً في اللاهوت المسيحي، ومُشكلا المذهب الرسمي للكنيسة الغربية، ومنه انتقل إلى الكنيسة الشرقية وإلى البروتستانت مع بعد الفروق الطفيفة. ورغم وجود بعض الاختلافات بين الفرق المسيحية حول نظرتها لعقيدة الخطيئة الأصلية، إلا أنهم مُتفقون على أن للخطيئة نتائج وخيمة انتقلت إلى البشر بسبب معصية آدم. ومن هذا المُشترك يبدأ التمهيد لعقيدة الخلاص وموت ابن الإله كتكفير عن الخطيئة الأصلية، حيث اعتبرت الكنيسة أن معصية آدم خطيئة مُوجهة لذات الله الغير محدود، فهي تتطلب جزاء غير محدود، وليس بإمكان آدم أو ذريته ولو ماتوا كلهم[54] أن يُعوضوا عن الإهانة التي ألحقتها الخطيئة بالله[55]، ولا يستطيع أي ابن آدم ما دام مُلطخاً بالخطيئة أن يُكفر عن الخطيئة. فكان بذلك أن كل بني آدم وبمقتضى عدل الله، مُستحقون للعقاب[56]. غير أن الكنيسة تعتقد أن الإله بالإضافة إلى اتصافه بالعدل، فهو أيضا مُتصف بالرحمة. وبمقتضى صفة الرحمة كان على الآب أن يغفر سيئات البشر، ولم تتوفر أي طريق للجمع بين صفتي العدل والرحمة إلا بتقديم كفّارة بين بني آدم والإله، كفّارة تتميز بالقداسة والكمال التي تُخول له محْوَ الخطيئة المُتوارثة اللامحدودة. وليس يوجد كائن بهذه الصفات إلا الإله نفسه، وهكذا أتم الإله مُخططه فأنزل ابنه من السماء ليُسفك دمه ويموت على الصليب من أجل خطايا الناس، لأنه الوحيد القادر على القيام بهذا العمل[57]، فكانت مُهمة المسيح، التي اتفق عليها الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، أنه جاء ليَمْحُو الخطيئة الأصلية عن عاتق البشر ويُحرِّرَهم من آثارها، وبهذه التأويل تم فهم طبيعة المسيح ومهمته.

 مقال منشور في العدد الثاني من المجلة


الهوامش:

[1]– ويذهب محمد تقي العثماني إلى أن أوغسطين هو الوحيد الذي استوعب خلفيات الكفارة بصورة أوضح، يُنظر: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1982، ص.77.

[2]– Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003, p.63; Britannica Concise Encyclopedia, p.1417.

[3]

[4]– Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007, p.435.

[5]– Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006, pp. 89–112, p.90.

[6]– المانوية «Manichéisme» ديانة غنوصية تُنسب إلى مؤسسها “ماني” الذي عاش في القرن 3 ميلادي، وهي ديانة تأثرت بالمسيحية واليهودية والزرادشتية والبوذية. وكما في كل الحركات الغنوصية، تعتقد المانوية أن المعرفة هي التي تقود إلى الخلاص، ويتحقق ذلك من خلال انتصار النور الخيِّر على الظلام الخبيث، وهي دين مُتشبع بالنظرة التشاؤمية التي تُظهر العالم تحت سيطرة قوى الشر. (يُنظر: Gherardo gnoli, J. G. Daves، ماني والمانوية، تحرير: فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، دار علاء الدين، دمشق، ط.1، 2005، ج.5، ص ص.59-66). وأطلقت المانوية فيما بعد على كل تصور فلسفي يقول بمبدئين كونيين أزليين، مبدأ الخير ومبدأ الشر. (يُنظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ص.764). ثُم عُوض هذا المُصطلح في الدراسات الحديثة بمُصطلح الثنوية «Dualisme»، وأول ظهور لمصطلح الثنوية كان على يد “توماس هيد”، استعمله للدلالة على العقيدة الدينية التي تؤمن إلى جانب إله الخير، بإله الشر المُلازم له أزلياًّ. وظل هذا المُصطلح سائداً في مجال الدراسات الدينية، للإشارة إلى المُعتقدات والأساطير التي ترى للكون أصلين للوجود، الخير والشر، الذكر والأنثى، النور والظلام، إلى غيرها من الثنائيات.

[7]– علي زيعور، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983، ص.125.

[8]– نفسه، ص.175.

[9]– Thomas Dalzel, op. cit, p.90.

[10]– Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996, p.55.

[11]– Thomas Dalzell, op. cit., p.90

[12]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ماهي النصرانية؟، ص.80.

[13]– المرجع السابق، ص.83.

[14]– مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001، ص.749.

[15]– Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991, p.600.

[16]– Saint Augustine, op. cit., p.32.

[17]– Ibid, p.60.

[18]– نقلا عن: ساجد مير، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.ص.139.

[19]– Saint Augustine, op. cit., p.60.

[20]– Ibid, p.61.

[21]– Ibid, p.77.

[22]– K. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007, p.75.

[23]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.93.

[24]– Ibid, p.93.

[25]– وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهرت عند الكاثوليك بدعة صكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء.

[26]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.85.

[27]– المرجع السابق، ص.86.

[28]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005, p.94.

[29]– Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003, V.11, p. 824.

[30]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, p.91.

[31]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.86.

[32]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, p.118.

[33]– S. Boulgakov, Le dogme eucharistique, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987, p.81.

[34]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860, V.2, p.624.

[35]– يُنظر رسالة كورنثوس الأولى 15/22: “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ”

[36]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987, p.146

[37]– Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003, p.129.

[38]– Nicolas Lossky, Lancelot Andrewes théologien anglican, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, p.81.

[39]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, V.2, p.303.

[40]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.146

[41]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983، ص.82.

[42]– نفسه، ص.83.

[43]– نفسه، ص.83.

[44]– Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973, V.1, p.251.

[45]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959, p.29.

[46]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.29.

[47]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، ص.7؛ فايز فارس، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984، ص.29؛

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007, p.107.

[48]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986, p.114.

[49]– أفسس 2: 8-9

[50]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.30.

[51]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.144.

[52]– Ibid, p.144.

[53]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, p.114.

[54]– يقول بولس في رسالته إلى العبرانيين: “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” [رسالة العبرانيين 9: 22]

[55]– باعتبار الحياة أقصى ما يستطيع المرء تقديمه من أجل التكفير عن خطيئته، يُضاف إلى ذلك أن الموت هو العقاب الذي استحقه آدم وذريته بعد الخطيئة الأولى، فلا يقبل الفكر المسيحي أن يكون العقاب سبباً في الخلاص.

[56]– “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” [رومية 6: 22-23]

[57]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.136.

المراجع:

Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000.

Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003.

Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003.

Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007.

Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986.

Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973.

Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005.

John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987.

  1. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007.

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007.

Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860.

Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991.

Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003.

  1. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987.

Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996.

  1. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959.

Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006.

زيعور علي، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983.

فارس فايز، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984.

لوثر مارتن، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983.

مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001.

مير ساجد، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.

جوناثان براون Jonathan AC Brown

 

اعداد: هبة حداد 

نبذة عن عمله الأكاديميي:

جوناثان أي. سي. براون، حاصل على الدكتواره من جامعة شيكاغو بولاية إلينوز في تخصص “الفكر الإسلامي” بقسم لغات الشرق الأوسط وحضاراته، وحاصل على البكالوريوس في تاريخ التقارب الإسلامي – المسيحي من جامعة جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كما درس اللغة العربية لعام كامل من الفترة يونيو 2000 إلى يونيو 2001 بالقاهرة في مركز دراسة اللغة العربية لغير الناطقين بالعربية (CASA)،  ويعمل حالياً كأستاذ مساعد للدراسات الإسلامية بمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم المسيحي-الإسلامي بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية. كما شغل مناصب عدة ،  كرئيس تحرير “موسوعة القانون الإسلامي” التابعة لجامعة أكسفورد،  و محرر استشاري بـ “مرجعية الدراسات الإسلامية على شبكة المعلومات” التابعة لجامعة أكسفورد،  ومحرر استشاري “لموسوعة العالم الإسلامي ” التابعة لجامعة أكسفورد.

مؤلفاته وإسهاماته في علوم الحديث الشريف:

وله عدة مؤلفات من أهمها وأحدثها كتاب ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” والذي صدر عن دار نشر  Oneworld عام 2014. وصدر له عن جامعة أكسفورد كتاب “محمد: مقدمة قصيرة جداً” عام 2011.  كما له كتاب “الحديث : تراث محمد خلال العصور الوسطى و الحديثة” والذي صدر أيضاً عن جامعة أكسفورد عام 2009. وأخيراً أول كتبه الصادر عن ليدن-بريل عام 2007 “التشريع بالحديث النبوي وفقًا للبخاري و مسلم“.

كما نُشر له عدة أوراق بحثية مهمة مثل “تشريع ابن ماجة: الموثوقية مقابل الاستفادة من السنة المشرفة” ،  مجلة ” كتابة التاريخ والتشريع في العالم الإسلامي في القرون الأولى للإسلام”،  2011. وبحث “هل الشيطان يكمن في التفاصيل؟ النزاع بين شمولية التشريع و بساطته“،  مجلة “القيم الدينية”،  2011،  وكذلك بحث “هل قالها الرسول أم لم يقُلْها؟ الحقيقة الحرفية والتاريخية والأكيدة بالأحاديث النبوية الشريفة“،  مجلة الجمعية الأمريكية الشرقية،  2009. كما نشر بمجلة العالم الإسلامي عام 2006 ورقته البحثية الماتعة “الأيام الأخيرة من حياة الإمام الغزالي و الشعبة الثلاثية بالعالم الصوفي: رسالة أبو حامد الغزالي إلى الوزير السلجوقي و التعليق عليها” وبحث “انتقادات التشريع بالنصوص الأولية للحديث الشريف: تعديلات الدارقطني لصحيحي البخاري و مسلم” ،  بمجلة جامعة أكسفورد للدراسات الإسلامية ، 2004.

فلسفته و آراؤه السياسية والاجتماعية:

وفي حديث أجراه لموقع “آخر الرسل The Last Prophetتكلم البروفيسور براون عن نشأته الأولى حيث ذكر تربيته وفقاً لتعاليم الكنيسة الأنجليكانية ( كنيسة إنجلترا في أمريكا) ،  إلا أن عائلته لم تكن متدينة ولذلك فلم ينشأ ملتزماً بأي من التعاليم المسيحية.

و أردف “لقد آمنت دوماً بوجود الرب،  فحينما كنت بالجامعة وأثناء سنتي الأولى بجامعة جورج تاون،  درست صفاً عن الإسلام و كان المحُاضر وقتها سيدة،  ولقد أثر في ما كانت تشرحه لنا بشكل كبير،  وأدركت أن ما تقوم بتدريسه تلك المُحاضرة ما هو إلا أمورٌ قد آمنت بها طيلة حياتي،  عن الله ،  وفلسفة سببية الكون ،  وفكرة أن العقل والدين من المفترض أن يكونا متوافقين. فالدين من شأنه أن يعزز حياتك لا أن يجعلها أكثر شقاءً”. و أضاف ” وبعد ذلك الفصل الدراسي قضيت وقتاً طويلا في صيف 1997 بقراءة الكتب عن الإسلام كما جُبْتُ أرجاء مختلفة من أوروبا والمغرب،  وعندما عدت للسنة الدراسية التالية أعلنت إسلامي”.

وعن أكثر شيء تأثر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال دراسته للدين الإسلامي والأحاديث النبوية الشريفة على وجه الخصوص ،  أجاب بروفيسور براون “على الأرجح لأنه كان رجلا فاضلا في كل مواقفه،  وهو أمر ملهم للغاية” ،  وأضاف ” فمفهوم القدوة الدينية التي لدينا بأمريكا كان دوماً على منوال محدد ،  على سبيل المثال نجد بالنصوص المسيحية “يسوع” دائماً ما يكون لطيفاً ومتسامحاً،  لكن هناك بعض المواقف التي لا تتطلب منك أن تكون متسامحاً طوال الوقت،  فبعض المواقف تتطلب منك أن تكون ليناً  وأخرى تتطلب منك أن تكون حازماً،  أو صبوراً ،  أو التصرف على وجه السرعة ،  فلا توجد وتيرة واحدة تخبرك كيف تتعامل مع كل المواقف التي تقابلها في حياتك،  ولقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملهماً في كل مواقفه المختلفة وهنا تكمن أهميته كقدوة لأصحابه والتابعين”.

وعن رأيه عن السبب الذي يجعل من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مستهدفة للنقد اللاذع من قبل بعض الناس بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية،  أجاب بروفيسور بروان ” أولا وقبل كل شيء بسبب الجهل. فمعظم الناس لا يعرفون شيئاً عن الإسلام أو النبي ،  ويسمعون أن المسلمين إرهابيون وأن الإسلام دين عنيف، بالتالي فشخصية النبي لديهم تمثل مصدراً أو رمزاً لذلك العنف،  وهذا هو السبب الرئيسي. وهناك أيضاً الكثير من الأسباب السياسية،  فالصراع الدائر بين المسلمين والدول الغربية بسبب أن الأخيرة اعتادت أن تغزو وتحتل بلاد المسلمين ،  مما خلف الكثير من التعقيدات النفسية والأيدولوجية بين الطرفين. فالغرب يصف المسلمين بالعنف لأنهم يقاومون هجمات غزوات الغرب على بلادهم! مما خلف تاريخاً طويلا من الصراع بين الدول الغربية والدول الإسلامية، ولكن هذا النوع من تصوير النبي اليوم، والذي  يبرز تلك الكراهية والحقد بشكل جلي، لا يمكن تفسيرها إلا على أنها نتاج للصراع السياسي حيث تقوم بعض الأطراف بتزكيته بشكل مدروس”.

وعن سؤاله عن موقف وسائل الإعلام من المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية على ضوء ما يواجهه المسلمون من صعوبات بأوروبا،  أجاب بروفيسور براونإن حقوق الحرية الدينية في الولايات المتحدة قوية للغاية،  إذ يقوم الدستور الأمريكي بحماية الممارسات الدينية على اختلافها. فمن السهل جداً للمسلمين ترك أعمالهم للصلاة. ويسمح لك دستورياً بالقيام بذلك. إذا رغبت سيدة في ارتداء الحجاب ولم يرق لصاحب العمل ذلك، فيمكنها رفع دعوى عليه لذلك. ومع ذلك، بسبب المخاوف من الإرهاب تعرض المسلمون لكثير من التوقيفات والتحقيقات من قبل الحكومة من دون سبب حقيقي،  وافتراض أنه لمجرد كون المرء مسلماً فهو يمثل خطراً على الأمن القومي ويوصف بالراديكالية نظراً لعدم اتفاقه مع السياسة الخارجية الأمريكية،  بالرغم من كونه حقاً يكفله الدستور الأمريكي،  فكثير من الأمريكيين لا يوافقون على السياسة الخارجية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تم التصديق على قانون الأمن الوطني الذي يخول للحكومة حرية أكبر في مقاضاة الناس على أساس الأمن القومي والتنصت دون إذن أو أمر من وزارة العدل،  واعتقال العديد من القيادات المسلمة وتعذيبهم كما يحدث بمعتقل خليج غوانتانامو.

وعن رأيه عن جدوى قيام الخلافة الإسلامية،  أجاب البروفيسور براونهذا يبدو منطقياً،  إذ يتقاسم المسلمون قضايا سياسية تهمهم جميعاً على اختلاف بلدانهم،  وكذلك أنماط حياتهم،  لذا يتوجب عليهم أن يشكلوا قوة ضاغطة،  فعلى سبيل المثال حينما تقوم بلد مثل فرنسا بمنع النساء من ارتداء حجابهن في المصالح العامة فعلى المسلمين أن يتوحدوا للمقاطعة أو الإدلاء ببيان تنديدي. فأنا كأمريكي لا يمكنني الموافقة على منع أحدهم من ممارسة طقوسه الدينية،  كما لا أعتقد أن أي أمريكي قد يوافق على ذلك،  إذ ينبغي السماح للجميع بممارسة شعائرهم الدينية بحرية. لذلك فتوحد المسلمين سيجعل لهم تأثيراً سياسياً أكثر قوة في مجال السياسة الخارجية،  فعلى سبيل المثال إذا أرادت إحدى القوى الغربية احتلال أحد بلاد المسلمين لن تجد بلداً مسلماً يدعم قرارها و لن يُسمح لها باستخدام مجاليها الجوي أو البري.

مناقشة كتابه “النقل الخاطئ عن محمد”

ويعتبر كتابه ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” على رأس قائمة الكتب الدينية لعام 2014 كما صنفته جريدة “الإندبيندينت” البريطانية. فالكتاب يأخذ القارئ للأيام الأولى من الحضارة الإسلامية ويكشف له كيف ولِمَ نشأ كل هذا الجدل حول الأحاديث النبوية، موفراً وجهة نظر عن كثب عن آليات ذلك الجدل الدائر بأحد أهم فروع التشريع بالإسلام.

Jonathan A. C. Brown, Misquoting Muhammad. source: http://www.washingtonpost.com

فمن أحداث الربيع العربي عروجاً على مكانة اسطنبول من الإمبراطورية العثمانية،  وجدران مساجد دلهي المكسوة بالحُمرة المذهبة مروراً بطرق التجارة بالعالم الإسلامي القديم عبر المحيط الهندي ،  حدد كتاب “”النقل الخاطئ عن محمد : تحديات وخيارات تفسير التراث النبوي” كيف وازن علماء المسلمين الأوائل بين العقل والوحي،  وإعلاء شأن العلم والدين،  والجدال حول الحقائق الأصيلة بالكتاب المقدس وسط عوالم تموج بالتحولات القيمية.

ففي المقال الذي نشرته لمناقشة ذلك الكتاب للبروفيسور براون،  ذكرت صحيفة ” الإندبيندينت”  أنه ربما يكون الكتاب الديني الوحيد الذي يجمع بين ذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمخرج الإيطالي-الأمريكي مارتن سكورسيز سوياً. إذ يدور كتاب براون حول سرد التاريخ والتأويلات المتعددة،  وجعل الموروثات مفهومة،  حيث يعتقد براون وجود قواسم مشتركة بين التقاليد الدينية وأفلام هوليود ،  فكلاهما يريدان أن ينقلا قصصاً معينة إلى الجمهور،  وإقناعهم بحقائق غيبية.

ويبدو من النظرة الأولى أن براون قد استلهم فكرة كتابه من الكتاب ذائع الصيت “النقل الخاطئ عن المسيح” لأستاذ العهد الجديد والمسيحية المبكرة “بارت إيرمان”، إلا أن براون نفى ذلك في فاتحة كتابه قائلاً أنه على الرغم من قراءته واستفادته من كتب إيرمان السابقة إلا أنه – في الحقيقة – لم يطلع على هذا الكتاب بالذات، وأن الناشر هو من اقترح هذا العنوان. بالنسبة لبراون، العنوان الأصلي للكتاب هو العنوان الفرعي: “تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” . ويوضح براون تركيزه في هذا الكتاب بشكل مكثف على التحديات التي واجهت تفسير الحديث النبوي الشريف عوضاً عن الكشف عن أية أصول إسلامية للنص الشريف،  فيستكشف التاريخ التفسيري الغني في الإسلام بالرغم من محاولات الطعن في صحته.

فقد يتعجب قارئ هذا الكتاب حين يرى أنه على غرار الشريعة التوراتية المتغيرة،  فأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمثل تراثاً تشريعياً لطالما كانت محل التدقيق والجدل،  بينما ظل النص القرآني الكريم . ومرجع هذا يعود جزئياً لنسبة العديد من آراء صحابته صلى الله عليه وسلم إليه إما عمداً أو عن طريق الخطأ.  وبالرغم من قدسية النص الشريف وحرص أجيال علماء المسلمين على تناقله،  إلا أن وجود اختلافات بنصوص مختلفة من الحديث الشريف جعل بعضها يُصنَّف بالأحاديث “الضعيفة” و”الموضوعة” من قبل علماء المسلمين أنفسهم. لذا فالمهتمون بالأحاديث النبوية الشريفة الذين طالما استوقفتهم تلك الإسقاطات التاريخية بصحتها بشكل مجحف،  قد يجدون في تحليل براون لتلك الأحاديث ما يثير اهتمامهم.

وحيث يخوض براون في كتابه بالقارئ ذهاباً وإياباً مع مجموعة كبيرة من المراجع الإسلامية استطاع إثبات كيفية تمكن علماء الحديث الشريف من الموازنة بين صحة الأحاديث المشرفة مع واقع حياة الناس. فقدرته على إدراج عناوين قوية لفصول ذلك الكتاب مثل “متى لا يكون النص الشريف صحيحاً” ،  أو “الكذب على رسول الله“،  لمناقشة تلك الأحاديث النبوية المتواترة وما اتبع من أسلوب مثير لتحليل مواضيع شائكة مثل العلاقة بين “القرآن والعنف الأسري” ،  أو “من يقرر المراد من كلمات الله تعالى” نقلت كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” إلى مستوى آخر مختلف عن ماهو متعارف كلاسيكياً عن تفسيرات الأحاديث النبوية الشريفة.  وربما أكثر العناوين التي تناولها براون في كتابه إثارةً للجدل هي “مضاجعة القاصرات” ،  مشيراً بذلك إلى زواج الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في سن الخمسين من السيدة عائشة وهي في سن العاشرة. كما تناول أيضاً مواضيع الظلم بين الجنسين مثل جرائم الشرف، والآية المفسرة لضرب الزوجة حال النشوز ومختلف مواقف السلطة الدينية الرسمية تجاه حرية المرأة بالوقت الحاضر.

وفي سؤال وجه إليه خلال مقابلة أجراها لحساب موقع “جدلية- Jadaliyya”  عن رؤيته الخاصة حيال تأثير كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” على المناقشات الراهنة بين جمهور الإسلاميين،  أعرب عن أمله أن يجد القراء المهتمين بالتاريخ الفكري الإسلامي أثناء قراءتهم كتابه دراسة موضوعية للحديث الشريف وتفسيراً أكثر عمقاً،  فالكتاب مثالي لأولئك الذين يتصفحون المناقشات العلمية ويريدون الغوص عميقاً في ماهية هذا الجدل الدائر حول دقة وأصالة الأحاديث النبوية الشريفة. كما أضاف “للكتاب أهمية لأولئك المهتمين بدراسة اللاهوت و التوراة،  لأنه يضع التفسيرات الكلاسيكية للنصوص الإسلامية قيد المقارنة”.

وأخيراً،  فكتاب “النقل الخاطئ عن محمد” لـ جوناثان براون يعتبر من أحد أهم الإسهامات في الدراسات الإسلامية التي صدرت مؤخراً،  لاحتوائه على بحث جهيد في كل من النصوص الأصلية للأحاديث النبوية الشريفة،  والقانون الإسلامية و الصوفية واعتماده على مخطوطات نادرة ومصادر ذات أهمية بالغة في الفكر الإسلامي.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة

صدور العدد الثاني من “مجلة الدراسات الدينية” لشهر جمادى الآخرة 1436هـ / أبريل 2015

غلاف العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية جمادى الآخرة 1436 / أبريل 2015م

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد جهد يزيد عن ثلاثة أشهر من الإعداد والمراجعة، يسرنا أن نقدم للقراء الأفاضل العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية لشهر أبريل 2015م /جمادى الآخرة 1436هـ.

في هذا العدد: 

  • افتتاحية العدد – المشرف العام
  •  شخصية العدد: د. جوناثان براون
  •  الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين وتمثُلاتها عند الفرق المسيحية (الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت) – ياسين اليحياوي
  •  التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية – أيمن تركي
  •  ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي) – هيثم سمير
  •  طقس الهيلولة في الممارسة الدينية اليهودية: يهود المغرب إنموذجا – عبد المنعم ايت المسعود
  •  المرأة اليهودية في التوراة والتلمود – جمال صوالحين
  •  عقود آثرية لاتفاق ما قبل الزواج في التلمود – هبة حداد
  •  لقاء مجلة الدراسات الدينية مع أ. د. إياد سالم السامرائي

لتحميل العدد بجودة عالية: اضغط هنا 

لتحميل العدد بجودة منخفضة: أضغط هنا

نتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة. 


لإرسال مشاركاتكم وتعليقاتكم يُرجى التواصل على البريد الإلكتروني:  jrs_mag@yahoo.com 

موقع المجلة: www.religmag.wordpress

صفحة فيس بوك: www.facebook.com/jrsmag